ورقة بحث : قراءة في كتاب : مدينة الله لأوغسطينوس

0

 التعريف بالكاتب

القديس أغسطينوس ولد سنة 354 ، وتوفي سنة 430 ، هو كاتب وفيلسوف من أصل نوميدي-لاتيني ولد في سوق أهراس بالجزائر ، و يعد أحد أهم الشخصيات المؤثرة في المسيحية الغربية.

التعريف بالكتاب

كان كتاب "مدينة الله" للقديس أوغسطينوس نتيجة لاستيلاء القوط الغربيين على روما ونهبها سنة 410. حيث كان أتباعُ الديانات غير المسيحية يؤكدون بأن سقوط روما هو عقوبة أنزلتْها الآلهة غير المسيحية بها بسبب قانون تحريم العبادات الوثنية سنة 392. وعليه، احتدم الجدل حول العناية الإلهية في التاريخ، وكلام عن كون المسيحية على وشك أن تفضي إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية. وفي ظل احتدام هذا الجدل، شرع أوغسطينوس في كتابة «مدينة الله».

فهرس موضوعات الكتاب

يتألف الكتاب من 22 فصلًا استغرق تأليفها ثلاثة عشر عامًا؛ فقد بدأ تأليفه وهو في عمر 59 وأنهاه عندما بلغ 72.

في الأبواب الأولى، يحاول أن يبرهن على أن ما أصاب روما من نَهْبٍ وتعذيب وأسْرٍ ليس غريبًا عن التاريخ البشري كلِّه. فإن روما ابتُليتْ بما ابتُليتْ به سائرُ الشعوب على مدى قرون من جراء سطوتها وغطرستها. لذا، فإن العناية الإلهية لا يمكن اعتبارها مسؤولة، لأن مصير الإنسان – يوضح أوغسطينوس – ليس مقررًا على هذه الأرض، ولا في نطاق حياته الجسدية. مثل هذه المصائب لا تصيب جوهر حياته، ويجب ألاَّ تقوده إلى اليأس: "فالحياة الزمنية دار ابتداء تُعِدُّ للأبدية، والمصائب ليست للمسيحي غير امتحان وتأديب.

أجاب في الفصول الخمسة الأولى على الوثنيين الذي يعبدون آلهة متعددة ويرون أن الآلهة القديمة تحمي المصالح الرومانية بشكل متفرد.

وُجّهَ الفصول من السادس حتى العاشر إلى الأفلاطونيين الجدد الذين كانوا يعيدون تفسير التقليد الوثني كدرب للتطهير؛ حيث تلعب الآلهة دور الوسطاء ما بين البشرية والعوالم السماوية.

ملخص أفكار الفصول الأولى

توحي بعض الفقرات في كتاب «مدينة الله» بتخلي أوغسطين تمامًا عن الإمبراطورية الرومانية وكل المؤسسات السياسية باعتبارها منظمات نَهمة للسلطة تسعى للهيمنة الخبيثة واضطهاد القوي للضعيف.

اعتبر أوغسطين في الكتاب أنه حانت الآن العصور المسيحية. حيث يمكن تحقيق العدالة بمعرفة إمبراطور يُقرُّ بالعبادة الحقة للرب الواحد المتجلي في المسيح، بحسب قوله،  وكأن اعتناق المسيحية كان يعيد إحياء المجتمع المُنْهَك المريض، ويتيح إمكانية تأسيس «إمبراطورية عادلة»،

فيما يتعلق بالعدالة، كانت مدينة الله متحيزةً للفقراء. ولاحظ أوغسطينوس أن أعلى المدافعين صوتًا عن الوثنية كانوا عمومًا مدافعين عن النظام الاجتماعي القديم الذي تودد فيه الفقراء إلى الأغنياء واستغلَّ الأثرياء تابعيهم الذين يعوِّلون عليهم،

بالنسبة إلى الضمير المسيحي، كانت العدالة الجنائية والخدمة العسكرية تمثلان أكثر القرارات الأخلاقية إشكالًا. شارك أوغسطينوس وجهةَ النظر التي كادت تكون عالمية للكنيسة الأولى، والتي مفادها أن التعذيب والعقوبة القصوى غير مقبولين في دولة مستقلة تستند إلى تقييم مسيحي للإنسان.

لم يرَ أوغسطينوس، شأنه في ذلك شأن أفلاطون وَأرسطو، أن مهنة السياسة منفصلة عن كافة القضايا الأخلاقية، رغم أنه لم يعتقد أن العالم العلماني قادر على إقامة مجتمع عادل بحقٍّ.

الخلاصة:

لا يمكن اعتبار كتاب «مدينة الله» كتابا في النظرية السياسية، أو على اعتبار أنه يحوي فلسفة تاريخية تستهدف استبيان نمطٍ سماوي علوي في مسار الأحداث. وحقيقة الأمر، في عدة مواضع من هذا العمل نجد أن الحجة مصممة بحيث تبيِّن كم من الصعب إدراك هذا النمط. 

يصعد نجم قُوًى عظمى ويخبو في تاريخ العالم، ولا تتجلَّى لنا قطُّ علة هذا الصعود والسقوط. وعدم إمكانية التنبؤ بالموت وبقرارات الإرادة البشرية يعني أن هناك الكثير من الأشياء غير المؤكدة. 

ويعتنق المؤمن فكرة أن ما لا ينسجم مع عقل الإنسان ينسجم مع الرب. وقد تَحْمِل الكوارث الإنسان على البكاء، لكنها لا ينبغي أن تصيبه بالذهول . ويقدِّم أوغسطينوس آمالًا أكثر للفرد مقارنةً بمؤسسات المجتمع البشري المُعرَّضَة تحديدًا أن تكون وسيلة للغرور الجمعي.


المراجع:

مدينة الله للقديس أوغسطينس ، المجلد الأول ، يوحنا الحلو ، بيروت ، 2006


تحميل البحث بصيغة PDF

 قراءة في كتاب : مدينة الله لأوغسطينوس


#Research #reading #in #the #book #City #of #God #Augustine

#بحث #القراءة #في #كتاب #مدينة #الله #أوغسطين

ورقة بحث : حول وظيفة الفن

0

 مـــــدخل:

إن نقطة البدء في كل نسقٍ فني ينبغي أن تكون هي الخبرة الشخصية بانفعالٍ خاص، ونحن نُطلق على الأشياء التي تُثير هذا الانفعال اسم «الأعمال الفنية»،1

ويرى عباس محمود العقاد أن : الوظيفة في الحياة تسبق العضو الذي يمثِّلها، والجسم الإنساني نفسه لا يسعك أن تتصوره إلا مُعبِّرًا عن فكرةٍ أو وظيفةٍ مجرَّدةٍ، ولا قيمة للأعضاء في ذواتها بغير الفكرة التي تعبر عنها والوظيفة التي تؤديها3، ناهيك عن الفن، فلابد إذا أن له وظيفة ودورا،

فللفن آثارٌ اجتماعيةٌ هائلة ؛ فالفن يغير شخصيتنا وتجربتنا في العديد من مجالات الحياة، ويجعلنا أكثر حكمةً وسموًّا، ويُعمق رؤيتنا لذاوتنا وذوات الآخرين. إنَّ للفن وجهًا موضوعيًّا أساسيًّا وبُعدًا يتجاوز الذات ويدخل في صميم ماهيتها؛ فالفن اقترابٌ لا اغتراب، ولقاءٌ معقودٌ وموعدٌ مضروب. إنَّ المبدع والمتلقِّي في الفن مندمجان يأخذ كلٌّ منهما من الآخر حقيقته ومعناه، بل إن البشر جميعًا في اللحظة الفنية يغدون ذوبًا من تضايف عام وامتزاجٍ كلي.2

إنَّ الفن يُطلعنا على دينامياتنا النفسية وديناميات الآخرين، ويُعتقنا من «مركزية الذات» ويؤهلنا للاندماج العاطفي أي القدرة على اتخاذ الإطار المرجعي للآخرين بسهولةٍ ويسر، ومشاركتهم وجداناتهم مشاركةً حقيقية مبرأةً من إسقاطاتنا الخاصة. 

فالفن هو أقدر ضروب النشاط البشري تعبيرًا عن التواصُل بين الأفراد وبين الأجيال وبين الأمم؛ لأن الوجد الفني لا يحدُّه الزمان ولا ترده الحدود الجغرافية، إنه انعتاقٌ من كل صنوف المركزية وانطلاقٌ من كلِّ كهوف التعصُّب والتحزُّب والتحيز، وأذانٌ للأرواح بأن تنعطف وتتآلف، وتتقاسم رحابة الوجود.2 

وإن كان للفن بمفهومه العام وظائف عدة تختلف بحسب زوايا معالجته ، فإننا في هذه الورقة البحثية نحاول طرح جدل الوظيفة الأخلاقية للفن للنقاش ، كما نسائل الفلاسفة ان كان للفن وظيفة حضارية كذلك؟.


تحميل البحث بصيغة PDF

ورقة بحث : التداولية في الدلالة اللغوية والدلالة الإصطلاحية

0

 التداولية مصطلح لساني غربي؛ يعبر عن اتجاه لساني حديث تطور في فترة السبعينات من القرن العشرين؛ يعنى بدراسة اللغة ضمن أسيقتها اللغوية وغير اللغوية. وهذه الدراسة تجتهد في تتبع الدلالة اللغوية والاصطالحية لهذا المصطلح في الثقافة اللسانية الغربية، وكيف انعكس ذلك على الثقافة اللسانية العربية، ترجمة وتعريبا في المصطلح والمفهوم؛ مع الوقوف على عملية الفصل بين التداولية كمنهج لساني، وبين الذرائعية كمذهب فلسفي نفعي.

قوبل المصطلح الأجنبي " PRAGMATICS " بكم هائل من المصطلحات العربية لدرجة التبذير والفوضى، ولكن هيمنةَ التداول كانت من نصيب مصطلح التداولية الذي وظفه الباحثان المغربيان "طه عبد الرحمن و أحمد المتوكل"، أما تعاريف الألسنيين العرب المحدثين فقد جاءت متقاربة لا تخرج عن مجال اللسانيات، وكلها تركز على السياق التخاطبي؛ وبعبارة أدق وأوضح سياق الحال أو المقام، ولذلك وجدنا منهم من يقول التداولية هي: المقامية.

في دلالة الجذراللغوي :

يعود أصل المصطلح الأجنبي "PRAGMATIQUE LA " إلى الكلمة الالتينية "PRAGMATICUS"، ومبناها على الجذر " PRAGMA" ؛ الذي يعني الفعل" ACTION"، وبفعل اللاحقة " TIQUE " صارت تعني كل ما له عالقة بالفعل والتحقق العملي في الواقع، وقبل أن يدخل هذا املصطلح مجال الحقول الفلسفية والأدبية استعمل في المجال القانوني ، وبالتحديد في عبارة "SANCTION PRAGMATIQUE " التي تعني المنشور أو المرسوم الذي يرمي إلى اقتراح حلول نهائية، وقابلة للتطبيق والتحقق في الواقع لقضيةِ  مهمة، ثم وظف هذا المصطلح في مجال العلوم الصرفة، ليدل على كل بحث أو جهد علمي أفضى إلى نتائج قابلة للتطبيق العملي؛ ثم صار يطلق في اللغة المستعملة في عبارات مثل:

هذا تفكير عملي، أو هو شخص عملي واقعي : أي نزاع وميال إلى اقتراح وإيجاد الحلول العملية والواقعية لما قد يطرح من مشاكل وعقبات.1

المفهوم الاصطلاحي للتداولية : 

إنه لمن الصعوبة بمكان الإلمام بتعريف مضبوط ودقيق للتداولية وذلك لألسباب التالية:

 1 - اتساع رقعتها المفهومية بحيث إنها لا تنتمي إلى أي من المستويات اللغوية المعروفة لدى الباحثين ، فهي دراسة فضفاضة، تلقي بظلالها على جميع المستويات.

2 - تعد التداولية ملتقى لكثير من العلوم، في حين أنها لا تقف وتستقر عند أحد منها، فهي تلتقي مع علم الدلالة، وعلم اللغة الاجتماعي، وعلم اللغة النفسي، وتحليل الخطاب. 2

لذلك اختلفت تعريفات التداولية حسب التربة التي نشأت فيها، فكل باحث يحاول أن يعرفها وفق الجانب المعرفي الذي يعتمده في بحثه، فتعريف اللغوي يختلف عن تعريف الاجتماعي، وتعريف الأخير يختلف عن تعريف النفساني وهكذا، ولكن السمة الغالبة التي تجمعهم جميعا تهتم بالتواصل والاستعمال الحقيقي للغة، فهي إذن تعاريف غير متضاربة بقدر ما هي متفاوتة من حيث العموم والخصوص، والضبابية والوضوح.

اقترح الباحث اللساني التداولي ليفينسون "LEVINSON "في مؤلفه "PRAGMATICS" مجموعة من التعاريف، سوف نسوق بعضها لنقف على أوجه الاتفاق والاختلاف بينها .

أ - التعريف الأول: التداولية دراسة الاستعمال اللغوي "USAGE LANGUAGE" الذي يقوم به أشخاص لهم معارف خاصة، ووضعية اجتماعية معينة.

ب - التعريف الثاني: التداولية دراسة للمبادئ التي تمكننا من إدراك غرابة بعض الجمل، أو عدم مقبوليتها، أولحنها، أو عدم ورودها في لغة المتكلم.

ج - التعريف الثالث:  دراسة اللغة في إطارها الوظيفي ، أي فهم بنيات اللغة بالاعتماد على العلل والاستدلالات غير اللغوية " NO LINGUISTICS ".

د - التعريف الرابع : "التداولية دراسة للعلاقات بين اللغة والسياق، أو هي دراسة كفاية مستعملي اللغة في ربطهم لها بسياقاتها الخاصة" .

هـ- التعريف الخامس :" التداولية دراسة لظواهر بنية الخطاب اللغوي من تضمينات، واقتضاءات، أو ما يسمى بأفعال اللغة "ACTS SPEACH".3

واضح جدا من التعاريف السابقة أنها تدور بين الدلالة والاستعمال، وعندما أذكر الاستعمال ينضوي تحته حتما عناصره من متكلم ومستمع ، ومقاصد ونوايا، وسياقَ ومقام، وهي كلها متظافرة تسهم في إبراز الدلالة المقصدية،ِ وتجنبنا تفلت المعنى وتظَشيه .

ولكن هذا لا يمنعنا من الوقوف على تلك التعاريف المرتبطة بالتفكير التداولي في أطوار نشأته الأولى، ولعل أول ما يحضرنا هنا هو تعريف الفيلسوف الأمريكي تشارلز موريس " CHARLES MORRIS "، حين استخدم هذا المصطلح عام 1938م.

فالتداولية بحسب موريس: تهتم بدراسة العلامات، حيث تتشابك العلامات اللغوية فيما بينها وفق نظامها الخاص بها، ثم تأتي مرحلة الإحالة على مراجعها ولولا التركيب لما حدثت إحالة؛ وهذه الأخيرة تبقى دلالات فضفاضة و معاني واسعة، حتى إذا انتقلنا بها إلى إطارها التداولي حصلت المقصدية وزالت الاحتمالية.4

الخاتمة:

التداولية مصطلح يكتنفه الكثير من الغموض، والسبب في ذلك ارتباطه بكثير من القضايا المثارة من قبل كثير من الحقول المعرفية، ولذلك جاءت مفاهيمهم مختلفة تبعا لاختلاف المنطلقات الفكرية؛ ومع ذلك نلحظ أن تعريفات اللسانيين الغربيين كلها تركز على الاستعمال، وتنأى باللغة عن تلك الجدالات العقيمة المبتوتة الصلة بسياق التخاطب. 


المراجع:

1- نواري سعودي: في تداولية الخطاب الأدبي، بيت الحكمة للنشر والتوزيع، الجزائر الطبعة الأولى، سنة 2009م، 

2- محمود أحمد نحلة: آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، دار المعرفة الجامعية، 2002م

3- إدريس مقبول: الأسس الإبستمولوجية والتداولية للنظر النحوي عند سيبويه، عالم الكتاب الحديث، الأردن، الطبعة األولى، سنة 2006م،

4- محمود أحمد نحلة، آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، 2011م

5- مفهوم التداولية  قراءة في المصطلح والمفهوم،عمر بوقمرة، مجلة المدونة، جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف، 2017م



التداولية في الدلالة اللغوية والدلالة الإصطلاحية 

ورقة بحث : إبستمولوجيا علم الفلك

0

 الأسس الإبستمولوجية لعلم الفلك في العصر الوسيط:3

 هناك أربعة أسس، يمكن أن تتفاوت في الأهمية،كما يمكن أن تتكامل فيما بينها، تدخل هذه الأسس كمنطلقات، لا يستطيع العقل أن يتجاوزها في تلك الفترة، حيث تتدخل بشكل أو بآخر في كل بحث معرفي، وفي مراحل كل منهج علمي. هذه الأسس هي كالتالي:

1 -  الأساس الميتافيزيقي: لعل أهم هذه الأسس على الإطالق، وهي المبادئ المشتركة بين جميع العلوم، والتي يقبلها العقل بدون برهان لبداهتهً. 

لا يتعلق الأمر هنا بعلم الفلك فحسب، بل نرى أنه لكل علم مبادئ تخصه، يتخذها كنقطة انطالق في دراساته وأبحاثه، غير أن هناك مبادئ واضحة تشترك فيها جميع العلوم و بدو ن استثناء، فإذا كان الوجود يمثل" نظاما" متماسكاً ، يوحد بين جميع اعناصره، فإن هذه النظرة الموضوعية الانطولوجية تنعكس على الذات في عملية توحيدها بين جميع ضروب المعرفة المختلفة، بحيث يدخل الأساس الميتافيزيقي كشرط إبستمولوجي عند تأسيس أي مبحث علمي.

2 - الأساس المنطقي: يمكن النظر إلى هذا الأساس على أنه المنهج القويم الذي يعتد به لتجنب الوقوع في الخطأ من أجل الكشف على الحقيقة الوحيدة المطلقة في أي مبحث. وإذا كانت المواضيع الميتافيزيقية لا تدعمها أي رؤية حسية، فإن المنطق هو السبيل الآمن لتناول مثل هذه المواضيع. 

3 - الأساس التجريبي: وينبني هذا الأساس على المشاهدات الحسية القائمة على قوة الملاحظة ودقتها،

وعادة ما تكون نقطة انطلاق للكثير من النظريات والتأملات الفلسفية.

4 - الأساس الرياضي: ويمكن اختزالًه تحديدا - في ذلك الزمان المتقدم- في الجانب الهندسي، كالحركة في دائرة أو كرة أو خط مستقيم.

لقد آمن فلاسفة اليونان القدامى وفي أعقابهم علماء القرون الوسطى إيمانا راسخا بثلاث نقاط أساسية لا تقبل المناقشة حول المواضيع المتعلقة بالكون وتتمثل هذه النقاط كالتالي:

1 - مركزية الأرض : ومفاد هذه المسلمة أن الأرض هي مركز الكون، ثابتة فيه لا تتحرك أبدا، و أن الكون كله بنجومه وأفالكه وكواكبه يدور من حولها، وأنها هي الجرم الوحيد الذي يحافظ على سكونه الدائم وسط الكون.

2 - ثنائية العالم : ينقسم العالم إلى عاملين اثنين، يختلفان اختالفا جذريا عالم ما فوق القمر وعالم ما تحت القمر؛ العالم الأخير هو عالم التغير، الكون والفساد، عالم الحركات المستقيمة نحو الأعلى بالنسبة للأشياء الخفيفة كالهواء والنار، ونحو الأسفل بالنسبة للأشياء الثقيلة كالتراب والماء. أما عالم ما فوق القمر فهو عالم الخلود والثبات، مادته هي الأثير أو العنصر الخامس وهي مادة تختلف جذريا عن مادة عالم ما تحت القمر. ومعنى هذا أن الابستمولوجيا التي تحكم عالم مافوق القمر تختلف جذريا عن تلك التي تحكم عالم ما تحت القمر.

3 -مبدأ الحركة: تتميز الحركة الخاصة بعالم مافوق القمر بميزتين أساسيتين؛ الأولى أنها حرك الدائرية تماما ، والثانية أنها حركة ثابتة لا تعرف زيادة ولا نقصانا ولا تباطئا و لا عجلة، وأنها هي الحركة الوحيدة الممكنة بالنسبة للكواكب والنجوم.


الأسس الإبستمولوجية للعصر الحديث:

أهتم أوجست كونت بمعالجة علاقة الفلسفة بالعلم , إذ رأى أن على الفلسفة إذا أرادت البقاء الابتعاد عن التأملات الميتافيزيقية وحدد لها وظيفة جديدة تتمثل في دراسة تطور العلوم ومناهجها ونتائجها للوقوف على الأسس المشتركة بين مختلف هذه العلوم الجزئية , فوظيفة الفيلسوف التأملي سابقاً كانت مبررة لعدم وجود تخصص , أما في الحالة الوضعية فعلى الفيلسوف أن يجمع شتات هذه العلوم وفق منهج واحد وهو المنهج الوضعي فالفيلسوف الوضعي يعتبره كونت من فئة العلماء الا أن ما يميزه عنهم كونه لا يبحث في تفصيلات العلوم الجزئية وإنما دوره يتمثل في دراسة عموم العلوم , ولذا يشترط كونت على الفيلسوف الوضعي أن يكون مكوناً تكويناً علمياً كما ينصح العلماء المتخصصين بالاستفادة من دراسات هؤلاء ليتمكنوا من تصحيح نتائجهم الجزئية وبالتالي تنمو المعرفة الإنسانية نمواً عظيماً , تتخلص من الجانب السلبي الذي قد تترتب على تقسيم العلوم .1

لقد أستفاد باشلار كثيراً من هذه الانجازات العلمية ففي سنة 1929 صدر كتابه " القيمة الاستقرائية للنظرية النسبية " حاول فيه أبراز القيم الابستمولوجية الجديدة التي أفرزتها الفيزياء المعاصرة . 

أن أهم ميزة في الفلسفة المعاصرة هي طغيان النزعة التجريبية وتقليص نفوذ المثالية المحضة , حيث تماشت التجريبية مع النظريات الحاصلة في العلم التجريبي في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وحتى في العلوم الإنسانية التي حاولت تقليد خطى العلوم الطبيعية وتطبيق هذه العلوم للرياضيات في دراسة الواقع ومن أبرز رواد الفلسفة التجريبية جون لوك , فرانسس بيكن , وديفيد هيوم , وصولاً الى جون ستيورات مل وهي نزعة معادية للتيار الميتافيزيقي والتي حاولت استبدال الفلسفة بالمنهج العلمي القائم على أساس الملاحظة والتجربة فصد الكشف عن العلاقات بين الظواهر دون الاهتمام بالبحث في الغايات وطبائع الاشياء يقول رائد هذه النزعة فرانسس بيكن " ينبغي الا نعزو أية قيمة حقيقية الا للمعرفة العلمية القائمة على الاستقراء التجريب , العلم قوة ينبغي أبعاد البحث عن الغايات خارج النطاق العلمي ".1

تعتبر فلسفة باشلار محاولة للتوفيق بين الافكار والواقع من جهة ودعوة للتحرر من تأثير الواقعية الساذجة والمثالية المطلقة إذ أراد باشلار سدّ الفجوة بين العقل والتجربة والقول بواقع تقني مقاوم للواقعية الساذجة وللمثالية المحضة , العقلانية المطبقة فلسفة متفتحة على الانساق الفلسفية الأُخر , لانها تريد أن تكون فلسفة للعلم المعاصر1

في كتابه " تكوين العقل العلمي " تحدث باشلار عن أبرز العوائق التي حالت الفكر العلمي عن التطور منها :2

(1)عائق التجربة الاولى : 

المعرفة العامية تعتمد على التجربة الحسية وبالتالي فإن الواقع المباشر لايقود الى معرفة علمية والموضوع المباشر الذي تقدمه الحواس يلغي دور العقل في التفكير والنقد ويفرض عليه التصديق الكلي بكل ماتقدمه الحواس , ولذلك فأن التجربة الأولى العائق الأكبر أمام تطور المعرفة العلمية

(2)عائق المعرفة العامة : 

التعميم عقيدة سيطرت على الفكر البشري لمدة طويلة من الزمن في أبان أرسطو (384 ق.م _322 ق,م ) الى أيام روجر بيكون (1214 _1294 )ويرجع باشلار السبب في ذلك الى محاولة الفلاسفة التقليديين تكييف نتائج العلم لما يناسب مذهبهم الفلسفي يقول باشلار "للفلسفة علم خاص بها وحدها هو علم العمومية "

(3)العائق اللفظي :

الفكر "القبل علمي" لا يميز بين المفهوم واللفظ ولا يميز بين الكلمة التي تصلح للتفكير والكلمة القديمة التي تنتمي عصر قديم، وعليه تعتبر العادات اللفظية عوائقاً أبستمولوجية على الفكر العلمي تجاوزها.

(4)عائق المعرفة الموحدة النفعية : 

الفكر القبعلمي فكر موحد , فجميع الموجودات أرجعت الى مبدأ واحد وجميع الموضوعات تفسر بالاعتماد على النظم الوحيد الذي يحكم الطبيعة وجميع التجارب تؤكد هذا النظام وبالتالي أهملت التجارب التي تناقضه.

(5)العائق الجوهراني : 

الموضوع في الفكر القبعلمي جوهر ثابت لا يتغير تحمل عليه الصفات الاساسية والثانوية السطحية والعميقة , تعد الخصائص الاساسية قوائم الجواهر مهما تغيرت الاعراض مثل هذا التفكير تؤكده التجارب المباشرة .

إن الجواهر كنموذج تفسيري عائق متعدد الوجوه الاوجه تقف حائلاً أمام الثقافة العلمية , إن التلاعب بالالفاظ في تسمية الظواهر يرضي الفكر الساذج بسهولة ولفظ " عمق" الجواهر من منظور أبستمولوجي معاصر لايعبر عن العمق فعلاً , بل العكس هو الصحيح فالمعرفة العامة سطحية وليست عميقة.


مراجع:

1- ج, بينوربي " مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا " ترجمة , عبد الرحمن بدوي  ج1, لبنان , بيروت , ط2 , 1980

2- غاستون باشلار، "تكوين العقل العلمي"، ترجمة ، د خليل أحمد خليل، لبنان , بيروت، 1981

3- د. عبد الفتاح سعيدي، " نظرية الأفلاك وإبستمولوجيا العصر الوسيط "، جامعة الوادي، الجزائر، 2020



ورقة بحث : منهج إبن خلدون

0

 بعد أن ضبط "ابن خلدون" حدود المجال الذي يمكن للعقل أن يبحث فيه عن معرفة علمية، نجده يشير إلى الطريقة التي على العقل أن يتبعها في سبيل امتلاك معرفة صحيحة منطقيا وواقعيا، أي أنه تكلم

في منهج معين عبره فقط يستطيع الإنسان أن يكتشف العلوم بالحقائق. يصرح "ابن خلدون" أن المنهج

العلمي هو استقرائي يتبع خصائص الموضوع الذاتية من خلال الملاحظة المباشرة، والخطاب العلمي عنده يكتفي بالتعبير عن "المعاني العينية التي ما تزال الصورة الحسية عالقة بها.

بعد الفحص المعمق انتهى بابن خلدون إلى رفض المنهج السابق قبله واعتباره معرفة غير علمية، بالرغم من أن المنطق الأرسطي كانت له آنذاك مكانة مرموقة في الأوساط المعرفية الإسلامية، ومن انتقدهم هم المتأخرون من فلاسفة الإسلام، وقد أخذ على هؤلاء أنهم يوجهون كل عناياتهم إلى منطق الصورة أو الشكل، إذ يدرسون القضايا من شكلها فقط ويغفلون منطق المادة. "حيث أغفلوا النظر في الكتب الخمسة المتعلقة بمنطق المادة من كتاب أرسطو وهي: البرهان، والجدل والخطابة، والشعر والسفسطة، وهي المعتمد في هذا الفن. 

بدلا من البرهان اعتمد "ابن خلدون" على الاستقراء كمنهج، وظيفة الفكر فيه أن "يتوجه إلى واحد من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحد بعد آخر ويتمرن على ذلك، حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقائق ملكة له، فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا."

وبيان العوارض لا يكون إلا بتتبعها واحدا واحدا كما قال وهذا شأن االستقراء.

منهجية إبن خلدون:

1- الشك والتدقيق والتمحيص

2- الملاحظة المباشرة أو التشخيص المادي

3- أسلوب المقارنة أو منهج البحث المقارن

4- البحث عن الأسباب وربط الأسباب بالمسببات

عتماد "ابن خلدون" على المنهج التحليلي والمنهج الاستقرائي هدفه معرفة القوانين وإدراك العلل والأسباب:

- قانون العلية: أي ربط السبب بالمسبب، حيث سعى إلى التحقق من و جود ارتباط ضروري بين الظواهر الاجتماعية، الذي لا يمكن بدونه فهم استمرار المجتمع وتطوره.

- قانون التشابه: حيث اكتشف "ابن خلدون" أن المجتمعات البشرية كلها تتشابه مع بعض في الوجود الاجتماعي، بسبب الوحدة العقلية للجنس البشري، ووحدة الأصل الإنساني، بالإضافة إلى التقليد الذي قد يكون تقليد الرعية للحاكم أو المغلوب للغالب أو الغالب للمغلوب.

- قانون التباين: حيث يرى "ابن خلدون" أن المجتمعات ليست متماثلة بصفة مطلقة، بل توجد بينها فروق يجب أن يلاحظها المؤرخ، وهي الفروق التي ترجع إلى أسباب جغرافية واقتصادية وسياسية، فمجتمع البدو غير مجتمع الحضر، ومجتمع يقوم على الزراعة وحياة الاستقرار والرخاء غير مجتمع يعاني من الفقر والجدب.


ورقة بحث : المنهج الإستقرائي لجون ستيوارت مل

0

 



مـــــدخل:

"جون ستيوارت ميل" فيلسوف ومفكر اقتصادي إنجليزي؛ يعد من رموز المذهب النفعي في الفلسفة وأحد أقطاب المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد. ترك عدة مؤلفات ساهمت في إثراء الفكر الإنساني.

ولد "جون ستيوارت ميل" يوم 20 مايو/أيار عام 1806 في لندن، ونشأ في رعاية أب يقدر العلم ويحرص على اكتساب المعارف، فقد كان والده "جيمس ميل" فيلسوفا ومؤرخا وصاحب إسهامات في علم الاقتصاد، وهو ما كان له بالغ الأثر في حياة ابنه البكر "جون" وتشكيل ميوله نحو الفلسفة والاقتصاد في سن مبكرة.

بنى "جون ستيوارت ميل" قناعاته الفلسفية على أفكار المذهب النفعي الذي أسس له الفيلسوف الإنجليزي "غيريمي بنثام"، وهو مذهب في فلسفة الأخلاق يبني فكرة الخير والشر والتمييز بين الصواب والخطأ انطلاقا من مآلات الأفعال وعواقبها من حيث المنفعة والمتعة التي يحققانها.

نحاول في هذه الورقة البحثية الإجابة عن ماهية اسهامات "مل" في بناء المنهج الاستقرائي التجريبي الحديث،
كيف كان منهجه ؟ وما نقاط الاتفاق والاختلاف بينه وبين سلف الأول الفيلسوف "فرانسيس بيكون"؟.


تحميل البحث بصيغة PDF

ورقة بحث : نشأة الفلسفة الحديثة

0

 ابتداءا من القرن الرابع عشر، الذي امتاز بخصائص مختلفة، كانت ثورة على الماضي كله، حيث امتاز كل شيء بنفور شديد من المعاني المجردة ونزوع قوي إلى الواقع، أخذ في نقد المجردات ولم يرَ فيها إلا أنها أسماء أو ألفاظ جوفاء، بحيث تصح تسميته بعهد الاسمية أو اللفظية، وقاده هذا النقد إلى الشك في العقل والمعقولات، ودعا تفكير العقل فلسفة خالصة مقطوعة الصلة بالدين، ومضى في نقده من المجردات العقلية الخاصة بأرسطو ، فبددها وتحرر من سلطان أرسطو في العلم والفلسفة جميعًا، 

بل مد النقد إلى أصول الاجتماع فأيد أباطرة الجرمان والملوك في تمردهم على البابوية، وقال بوجوب الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية، ما كان يشير إلى قرب هبوب عاصفة «الإصلاح الديني»، 

رأى الفلاسفة المجددون أن المعرفة الحسية الجزئية أوضح وأوكد من المعرفة العقلية المجردة، وأقبلوا على الطبيعة يدرسونها لذاتها فوضعوا العلم الخاص المستقل عن الفلسفة، جددوا علم الفلك واهتدوا إلى قوانين جديدة للحركة، فهدموا البناء الذي شاده أرسطو «للسماء والعالم».

حين بدأتْ نظرة العصور الوسطى إلى العالم في الاختفاء خلال القرن الرابع عشر، أخذت تظهر بالتدريج قُوًى جديدة عمِلَت على تشكيل العالم الحديث كما نعرفه اليوم. فمِن الوجهة الاجتماعية، أصبح البناء الإقطاعي للمجتمع الوسيط غير مُستقر نتيجةً لظهور طبقةٍ قوية من التجَّار الذين تحالفوا مع الحُكام ضدَّ مُلاك الأرض الخارجين عن كل سلطة. ومن الوجهة السياسية، فقَدَ النبلاء قدرًا من حصانتِهم عندما ظهرت أسلحة هجومية أفضل، جعلت من المُستحيل عليهم الصمود في قلاعهم التقليدية. فإذا كانت عصِيُّ الفلاحين وفئوسهم عاجزة عن اقتحام أسوار القلعة، فإنَّ البارود قادر على ذلك.

وهناك أربع حركاتٍ كُبرى تُحدد مَعالم فترة الانتقال التي امتدَّت من وقت بدء تراجُع العصور الوسطى حتى القفزة الكُبرى إلى الأمام في القرن السابع عشر. 

- أولى هذه الحركات هي النهضة الإيطالية في القرنَين الخامس عشر والسادس عشر.

- أصبح مُفكرو عصر النهضة أكثر اهتمامًا بالإنسان، «النزعة الإنسانية»

- ظهور حركة الإصلاح الدِّيني مع مارتر لوثر 

- الثورة العلمية بداية من القرن السادس عشر 

كما أن اختراع الطباعة و الكشوف الجغرافية كان لهما الأثر الكبير في الثورة الفكرية والثقافية والاجتماعية اللاحقة.


تحميل البحث بصيغة PDF

ورقة بحث : الإستشراق في فكر مالك بن نبي

0

مـــــدخل:

الإستشراق هو ذلك الاهتمام الثقافي الأكاديمي والأنتروبولوجي والتاريخي والسياسي الذي مصدره الغرب ومقصده الشرق، والمستشرقون هم علماء وباحثون لكل منهم اهتماماته وعقليته ومقاربته ومنهجه، تحركهم في الغالب دوافع ومصالح واهتمامات علمية وأكاديمية وسياسية وحضارية ودينية.

استعمل المفكر الجزائري مالك بن نبي في دراسته لظاهرة الإستشراق منهجا تصنيفيا من الناحية الشكلية، ففصل بين طائفتين من المستشرقين: المادحون للإسلام و الحاقدون عليه،

أما من ناحية المضمون فقد حاول مالك بن نبي رصد البعد الفكري والحضاري المعرفي للمرجعية الغربية في هذه الظاهرة.  

فماهو موقف مالك بن نبي من الإستشراق؟

وما هي الأطروحات الإستشراقية التي عالجها في كتبه؟ 


تحميل البحث بصيغة PDF

الإستشراق في فكر مالك بن نبي


ورقة بحث : الفكر العربي الحديث : أهم أفكار الشيخ محمد عبدو

0
يعد الإمام محمد عبده (1849 - 1905) أبرز مفكري تيار حركة الإصلاح والنهضة في القرن التاسع عشر، مقتفياً في مراحل حياته الأولى آثار أستاذه الأفغاني، ولكنه خرج من دائرة السياسة بعد فشل الثورة العرابية، وما تبعها من احتلال بريطاني لمصر، فاختار منبر الإصلاح الفكري والديني، وركز عمله على النهضة الفكرية للبلاد، وسعى لإخراجها من حالة التخلف المقارن، وإعمال العقل كوسيلة للتقدم والرقي.

يمكن التركيز على أهم إنجازاته الفكرية، على النحو التالي:

1. يُصدر مجلة «العروة الوثقى» مع أستاذه الأفغاني في باريس.

2. التأكيد على استحالة التعارض بين الدين الإسلامي والعلم، هنا يلجأ الإمام إلى التأويل أو التفسير كوسيلة لتأكيد مصداقية الدين والعلم.

3. عدم تعارض الإسلام والحداثة، وهو ما يستوجب بالضرورة تأكيد مراجعة الخطاب الديني النقلي السائد آنذاك،

4. شدد محمد عبده على أهمية الاعتناء وشمولية المناهج العملية؛ خاصة في الأزهر الشريف، فدعا إلى تجديد رؤية الأزهر بتدريس علوم أخرى مثل الفلسفة والتاريخ وغيرها،

5. إعلاء قيمة الوطن بمنأى عن الفكر الأممي المرتبط بالقومية الإسلامية متمثلة في الخلافة العثمانية، باعتبارها أداة ملحة للحداثة،

6. التأكيد على أن عملية الإصلاح السياسي تبدأ من المجتمع إلى القيادة وليس العكس، أي أنه وجب إصلاح الرعية وتعليمهم وتثقيفهم قبل أن تُمنح الإصلاحات،


الفكر العربي الحديث : 

ورقة بحث : التاريخ وإشكالية المنهج

0

مقدمة:

التاريخ هو علم يبحث في الماضي، ويسعى لفهم الحضارات والأحداث التي وقعت عبر الزمن. ويعتمد المنهج التاريخي على مجموعة من الخطوات التي تمكن الباحث من جمع وتحليل وتفسير الوثائق والمادة التاريخية.

ولكن، يواجه المنهج التاريخي العديد من الإشكاليات التي تعيق الوصول إلى الحقيقة المطلقة. وتعود هذه الإشكاليات إلى طبيعة المادة التاريخية ذاتها، ونقص الوثائق، واختلاف وجهات نظر المؤرخين، وصعوبة تقييم الدوافع والأفكار التي كانت وراء الأحداث التاريخية.

المبحث الأول: 

1- طبيعة المادة التاريخية:

يعدّ فهم طبيعة المادة التاريخية أمرًا جوهريًا لضمان منهجية البحث التاريخي وصحة نتائجه. تختلف المادة التاريخية عن الموادّ الأخرى التي تدرسها العلوم الأخرى، ممّا يُثير العديد من الإشكاليات التي تواجه المؤرخين في عملهم.

من حيث ندرتها: لا يمكن إعادة تجربة الأحداث التاريخية، ممّا يحدّ من إمكانية التحقق من صحة البيانات التاريخية. تعتمد الكثير من المعلومات التاريخية على روايات شفوية أو مكتوبة قد تكون متحيزة أو غير دقيقة.

ومن حيث غموضها: غالباً ما تكون المعلومات التاريخية ناقصة أو غير مُحددة، ممّا يُصعّب فهمها وتفسيرها. قد تحمل بعض المعلومات التاريخية تفسيرات متعددة، ممّا يُثير الجدل بين المؤرخين. 

2- صعوبة الوصول إلى المعلومات:

يواجه البحث في التاريخ تحدّيًا كبيرًا يتمثّل في صعوبة الوصول إلى المعلومات الدقيقة والموثوقة. وتُعدّ هذه الإشكالية عائقًا كبيرًا أمام كتابة تاريخ موضوعي وشامل، ممّا يُلقي بظلاله على فهمنا للماضي وتقييمه.

أسباب صعوبة الوصول إلى المعلومات في المنهج التاريخي:

فقدان الوثائق: بمرور الزمن، قد تُفقد أو تتلف الكثير من الوثائق والمخطوطات التي تُعدّ مصادر أساسية للمعلومات التاريخية.

التشويه المتعمد: قد تُحرّف أو تُخفى بعض المعلومات التاريخية لأسباب سياسية أو أيديولوجية، ممّا يُصعّب على المؤرخين الوصول إلى الحقيقة.

صعوبة فهم النصوص القديمة: قد تكون بعض النصوص التاريخية مكتوبة بلغات أو خطوط قديمة يصعب فهمها وفكّ شفرتها.

نقص المعلومات: في بعض الأحيان، قد تكون المعلومات المتاحة حول حدث تاريخي معين محدودة للغاية، ممّا يُعيق عملية البحث والدراسة. 

المبحث الثاني:

1- صعوبة تقييم الدوافع والأفكار:

يُعد فهم الدوافع والأفكار وراء الأحداث والشخصيات التاريخية من أهم جوانب المنهج التاريخي. ومع ذلك، يواجه المؤرخون صعوبات كبيرة في تقييم هذه العوامل الداخلية بدقة، وذلك لعدة أسباب:

ندرة المصادر: غالبًا ما تكون المصادر التاريخية محدودة وغير كاملة، ولا تكشف دائمًا عن أفكار ودوافع الأشخاص الذين شاركوا في الأحداث.

التحيز: قد تكون المصادر التاريخية متحيزة، تعكس وجهة نظر مؤلفها أو أجندته الخاصة.

التفسير: يمكن تفسير نفس المصدر بطرق مختلفة، مما يؤدي إلى اختلافات في تقييم الدوافع والأفكار.

الزمنية: يفصلنا عن الماضي زمن طويل، مما يجعل من الصعب فهم سياق الأحداث ودوافع الأشخاص الذين عاشوا فيها. 

2- اختلاف وجهات نظر المؤرخين: 

يُعدّ اختلاف وجهات نظر المؤرخين في المنهج التاريخي ظاهرة ملازمة لدراسة الماضي، حيثُ يعتمد كلّ مؤرخ على منهجية محددة في تحليله وتفسيره للأحداث التاريخية، ممّا يُفضي إلى تنوع الروايات وتعدد التفسيرات.

أسباب اختلاف وجهات نظر المؤرخين:

الاختلافات الأيديولوجية: ينحاز كلّ مؤرخ لفكرٍ أو أيديولوجية معينة، ممّا يُؤثّر على طريقة تحليله للأحداث التاريخية وتفسيره لها.

الاختلافات المنهجية: يتبع كلّ مؤرخ منهجًا محددًا في دراسة التاريخ، مثل المنهج التاريخي، أو المنهج الأنثروبولوجي، أو المنهج السوسيولوجي، ممّا يُؤثّر على نوعية البيانات التي يجمعها وطريقة تحليلها.

الاختلافات في توافر المصادر: قد تختلف المصادر المتاحة للمؤرخين، ممّا يُؤدّي إلى اختلافات في رواياتهم وتفسيراتهم.

الاختلافات في وجهات النظر الشخصية: لكلّ مؤرخ تجاربه وخلفياته الخاصة، ممّا يُؤثّر على طريقة نظره للأحداث التاريخية.


الخاتمة:

يُشكّل التاريخ رحلة عبر الزمن لاستكشاف مسار الحضارات والأفكار، وفهم دوافع الأحداث، وتحليل مسار التطور البشري. لكنّ هذه الرحلة ليست سهلة، بل تُواجه تحدياتٍ منهجية تجعل من الوصول إلى الحقيقة المطلقة أمرًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا.

وتكمن إحدى أهم إشكاليات المنهج التاريخي في صعوبة جمع المعلومات الدقيقة والحيادية من الماضي. فغالبًا ما تكون المصادر التاريخية ناقصة أو متحيزة، تعكس وجهة نظر كاتبها أو عصره. ممّا يضطر المؤرخ إلى بذل جهد كبير في تمحيص هذه المصادر، ونقدها، والتأكد من صحتها وموضوعيتها.

وتُضاف إلى ذلك صعوبة فهم سياق الأحداث التاريخية بشكل كامل. فلكلّ حقبةٍ ثقافتها ومعتقداتها وخلفياتها، ممّا قد يجعل من الصعب على المؤرخ المعاصر فهم دوافع تصرفات الناس في الماضي، وتفسير معاني الأحداث بشكل دقيق.

وعلاوة على ذلك، فإنّ المناهج التاريخية ذاتها قد تكون موضع نقاشٍ وجدلٍ. فلكلّ مدرسةٍ تاريخية منهجها الخاص في تحليل الأحداث وتفسيرها، ممّا قد يؤدي إلى اختلافاتٍ كبيرة في الروايات التاريخية لنفس الواقعة.

ورغم هذه التحديات، إلا أنّ التاريخ يبقى علمًا ضروريًا لفهم حاضرنا والمضي قدمًا نحو مستقبل أفضل. فمن خلال دراسة الماضي، نستطيع التعلم من أخطاء أسلافنا، واكتشاف الأنماط التي تحكم التغيير، وفهم القوى التي تُشكل عالمنا.

ولذلك، فإنّ المنهج التاريخي، على الرغم من إشكالاته، يبقى أداةً قيّمةً لكشف الحقائق التاريخية. وبفضل الجهود الدؤوبة للمؤرخين، نسعى جاهدين لفهم الماضي، ونُضيء دروب المستقبل


فلسفة ورقة بحث: الأصول الشرقية للمنطق

0

#A #study #of #the #eastern #origins #of #logic   ينسب عادة علم المنطق إلى أرسطو و تُأرّخ نشأته نحو القرن الرابع قبل الميلاد في منطقة اليونان كثمرة من ثمار الفترة الزاهية للفلسفة اليونانية، لكن أصول المنطق عموما والأرسطي بالخصوص تعود قبل ذلك بزمن إلى حضارات شرقية لم تكن أقل شأنا، بل وحازت على السبق في ابتكار هذا النسق من التفكير، نقف في هذا البحث المقتضب على المدارس التي ساهمت في بناء علم المنطق في كل من الهند والصين قبل ظهوره في اليونان وكيف كان لإسهاماتها أثر واضح على المنطق اليوناني.

مقدمة:

ينسب عادة علم المنطق إلى أرسطو و تُأرّخ نشأته نحو القرن الرابع قبل الميلاد في منطقة اليونان كثمرة من ثمار الفترة الزاهية للفلسفة اليونانية، لكن أصول المنطق عموما والأرسطي بالخصوص تعود قبل ذلك بزمن إلى حضارات شرقية لم تكن أقل شأنا، بل وحازت على السبق في ابتكار هذا النسق من التفكير، نقف في هذا البحث المقتضب على المدارس التي ساهمت في بناء علم المنطق في كل من الهند والصين قبل ظهوره في اليونان وكيف كان لإسهاماتها أثر واضح على المنطق اليوناني.

1 - المنطق الهندي:

لقد اعترف ألكسندر ماكوفلسكي في كتابه تاريخ المنطق (بوجود منطق هندي لا يقل أصالة وعقلانية عن المنطق الأرسطي، كما لا يقل عنه قابلية للتعريف بأنه علم الفكر وعلم قوانين العقل وعلم نظرية المعرفة)، وقد ارتبط المنطق عند الهنود بالخطابة وفن الكلام فقد أسهمت المجادلات الفلسفية التي كان يدافع ممثلو التيارات المختلفة من خلالها عن مفاهيمهم ويقدمون حججا ضد آراء خصومهم، إسهاما كبيرا في ميلاد المنطق داخل الهند، ولهذا كان المنطق في البداية مرتبطا بنظرية الفن الخطابي وكانت النظريات المنطقية متشابكة مع الخطابة، وقد ورد في هذه الرسائل على سبيل المثال أنه ينبغي أن لا يأخذ الإنسان الكلمة وهو في حالة من الإجهاد أو الكآبة، الغضب أو أي انفعال عنيف لأن هذه الحالات التي تمر بها النفس تؤثر في صحة الكلام.

ومن بين المدارس الكثيرة التي تطورت وازدهرت في الهند وكان لها اهتمام بالمنطق، مدرسة النيايا ومدرسة الفايشيشيكا ومدرسة السارفاكا والجينا.

مدرسة النيايا: نظرية القياس

تنسب النيايا إلى شخص يدعى غوتاما وتعني النيايا الدليل أو الطريق أو الأسلوب، الذي يستخدمه العقل للوصول إلى النتيجة الصحيحة أو الحقيقة الكلية، وأهم ما تميزت به هذه المدرسة المنطق الذي وضعت قواعده العلمية وأوضحت أقيسته وأشكاله وأبانت الصحيح منها والفاسد، وأعلنت أن الصحة والفساد إنما يتعاقبان على القياس بتعاقب بعض الأعراض عليه.

وإذا كان منطق أرسطو يبنى على أساس الانتقال من مقدمتين ثم النتيجة، فإن النيايا تتدرج عبر خمسة مراحل أو أجزاء للقياس هي:

1- ذكر الأطروحة الازم اثباتها،

2- ذكر سبب الأطروحة

3- إعطاء مثال يمثل قاعدة يمكن الاستناد إليها للمساعدة في إثبات الأطروحة

4- ذكر علاقة القاعدة بالأطروحة على النحو الذي أثبتت به

والمثال الذي قدمه غوتاما في النيايا سوترا هو:

(1- توجد نار على التل

(2- لأنه يوجد دخان هناك

(3- حيثما يوجد دخان توجد نار كما في المطبخ مثلا

(4- يوجد دخان مرتبط بالنار على التل

(5- لذلك توجد نار على التل

كذلك من المواضيع المنطقية التي اهتمت بها مدرسة النيايا، الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الفكر، وقد قام فلاسفة النيايا من أجل المساعدة في تجنب أخطاء معينة شائعة بإعداد قائمة من المغالطات أو الأخطاء الشائعة التي ينبغي تجنبها.

ملاحظة:

يمكن القول أن القياس الأرسطي كان معروفا عند الشعوب القديمة، حتى أنه يمكن اعتبار القياس الهندي الذي يتأسس على خمسة مقدمات هو في الحقيقة الأصل الذي قام عليه القياس الأرسطي فيما بعد، كما لا ننسى في هذا الصدد الاهتمام الكبير الذي أولاه الهنود بالدراسات اللغوية والجدل وهي المباحث الهامة التي قام عليها المنطق.

المدرسة السفسطائية الهندية:

الواقع أنَّ هذا اللون من التفكير لم يعرفه اليونانيون فقط بل عرف كذلك عند الشرقيين القدامى خاصة عند الهنود والصينيين الذين اهتموا أيضا بالخطابة والنقاش واللغة والجدل، وبخصوص السفسطائيون الهنود فما يميّزهم أنهم أنكروا سلطان الفيدا تمام الإنكار وزعموا أنهم وحدهم ذوو المعرفة الصحيحة وساعدهم على ذلك الادعاء أنَّ مواهبهم الخطابية كانت قويّة إلى حدّ أنهم كانوا يستطيعون البرهنة على أحقية الشيء الواحد وبطلانه، وخيريته و وشريته، وحسنوه وقبحوه في آن واحد، وهذا من بين النقاط التي يلتقي فيها السفسطائيون الهنود مع السفسطائيون اليونان، كما أنَّ السفسطائيون الهنود كانوا يتخيّرون أياما محددة من السنة وبخاصة أثناء مواسم الاحتفالات الدينية وتقديم الطقوس والقرابين ليقدموا تعاليمهم في كل مكان دون مقابل، يعلمون الناس المنطق على أنّه الفن الذي نستطيع به أن نبرهن على أي شيء.

اللغة والجدل عند الهنود:

إنَّ الاهتمام الذي أولاه الهنود للخطابة والجدل والنقاش هو من صميم الاهتمام باللغة، لهذا فالبحث في المسائل اللغوية قديم جدا حيث نجد أنَّ الهنود قد سبقوا بزمن طويل الكثير من الشعوب والحضارات في الاهتمام بالدارسات اللغوية التي تعتبر من ألم الاسهامات التي قدميا الهنود في هذا المجال.

خاتمة:

ممَّا سبق يمكن القول أنَّ الهند قد ازدهرت فيها الفلسفة والمنطق ومختلف العلوم وأنهم أثاروا إشكاليات عديدة واهتموا بالبحث في نظرية المعرفة، كما نجد أنَّ اليونان يدينون بالكثير من نظرياتهم للهنود، و بذلك تبقى الهند قاعدة وأساسا لبناء الفكر البشري الراقي.

كما أنَّ المنطق كان معروفا لذى الكثير من المدارس الهندية حيث ينظر البعض إلى المنطق الهندي على أنّه الأساس الذي قام عليه منطق أرسطو، وكما يلاحظ ماكوفمسكي فإنَّ تاريخ المنطق يخصُّ الهنود القدامى بمثل ما يخصُّ به الإغريق القدامى من سبق إلى صياغة النظريات المنطقية، وإن كان منطق أرسطو قد انتشر لاحقا في أوروبا الغربية والشرقية والشرق الأوسط، فإنَّ المنطق الهندي قد انتشر في الصين واليابان والتبت ومنغوليا والفلبين و إندونيسيا، وهذا يدل على أصالة المنطق الهندي.

2 - المنطق الصيني:

ترجع البدايات الأولى للفلسفة الصينية إلى فكر كل من لاوتسو 604 ق م، و كونفوشيوس 551 ق م، ومن خلال دراسة فلسفة كونفوشيوس يتضح أنه قد عرف المنطق وكانت له إسهامات كبيرة في هذا المجال، فالقارئ لا يكاد يتصفح اي كتاب من كتب كونفوشيوس حتى يجد المنطق قد فاز فيها بأجل المواضيع واسمائها بل انه لا يقرر قاعده ولا يدعي نظريه في جميع كتبه الا مدعمه بحجج مصنوعه على اقيسه ذلك العلم المتفق عليه

وإذا كان ارسطو يعترف بفضل سقراط في وضعه للتعريفات من خلال بحثه في ماهيات الاشياء فان البحث في فلسفه كونفوشيوس تبين ان حكماء الصين قد سبقوا حكيم الاغريق الى هذه الفكرة وان لهم فيها نصوصا قيمه جديرة بالإعجاب، كما اهتم بمسألة المطابقة بين الالفاظ والمعاني او بين الاسماء ومسمياتها

لقد ايقن كونفوشيوس العلاقة الوطيدة التي تجمع بين الالفاظ والمعاني او بين الاسماء والمسميات والدور الذي تؤديه في المجتمع والنظام وتأدية الواجب فاذا لم تتفق الاسماء مع مسمياتها بالضبط وقع الخلط في اللغة واذا وقع الخلط في اللغة لا ينفذ شيء من اوامر النظام العام

لهذا يتحدث كونفوشيوس عن تصويب الاسماء جنغ-منغ وهو الاستعمال الصحيح للكلمات وهذا يعني ضرورة مطابقه الكلمة للواقع

نظريه القياس عند الصينيين:

بالنسبة للقياس فقد استخدم كونفوشيوس القياس الذي يقوم على الانتقال من مقدمات مسلم بها الى نتيجة لازمه عنها بالضرورة. لكن لم يعترف كونفوشيوس الا بالأقيسة المسايرة للأشكال الصحيحة المضبوطة التي يستحيل الطعن على منتجاتها بوجه من الوجوه. ونشير هنا الى ان اشكال القياس في المنطق الصيني تختلف عن اشكالها عند الاغريق حيث اعتبر الصينيون ان ذكرى المقدمة الكبرى في القياس ليس له فائدة ولذلك يجب تجاوزه فبدلا من القياس: كل انسان فان سقراط انسان سقراط فان نجد مع القياس الصيني: سقراط انسان اذا هو فان او سقراط فان لأنه انسان، كما ان كونفوشيوس كان يلجا كثيرا الى القياس المتتابع الذي يقوم على عده اقيسه متتابعة يقوم كل منها على اتخاذ النتيجة في القياس السابق كمقدمه ينطلق منها في القياس الجديد

يمكن القول ان تعاليم كونفوشيوس وفلسفته نالت شهره ونجاحا كبيرا حيث استطاعت فلسفته ان يكون لها امتداد استمر عبر العصور وصولا الى يومنا هذا فكان تأثيره على الفكر الصيني ومختلف المجالات الاخرى كالتربية والتعليم والسياسة والاخلاق كما ان يمكن اعتباره بمثابه الفيلسوف الذي مهد للتفكير المنطقي من خلال بحثه في التعريفات والاسماء والالفاظ ومعاني الالفاظ والعلاقة بينهما وهذا في الحقيقة من المواضيع الهامه التي يهتم بها المنطق كما عرف المنطق لدى مي-تي زعيم المدرسة النفعية ومع السفسطائيين والمدرسة الموهية الذين اشتهروا بالخطابة والجدل والمنطق.

المدرسة السفسطائية:

إلى جانب هذه المدارس الكثيرة التي ظهرت في الصين اشتهر مجموعة من المفكرين في القرن 5 و 4 ق.م عرفوا بالفصاحة والبلاغة والخطابة وقوة العلم، وحب الانتصار بقوة الحجة وقد عرف هؤلاء المفكرون باسم "مينج كيا" والتي تعني الجدليين وقد أطلق عليهم البعض الأخر اسم السفسطائيين، وقد قامت هذه المدرسة على إنكار الحقيقة المطلقة وأنَّ كل حقيقة فهي نسبية ترتبط بالفرد لأنّه مقياس كل شيء، ونلاحظ هنا أنَّ هذه المدرسة تلتقي في الكثير من النقاط الجوهرية مع مدرسة السفسطائيين عند اليونان من حيث اهتمامهم بالخطابة والجدل والبحث عن الانتصار من خلال الحجة، ولاشك أنَّ من تكون هذه غايته لابد أن يتلاعب بالألفاظ واستخدام كل الطرق لبلوغ غايته، كما يلتقي السفسطائيون الصينيون مع السفسطائيين اليونان في اعتبارهم الحقيقة نسبية والتي ترتبط بالإنسان وحده.

المدرسة الموهية:

تعتبر المدرسة الموهية من مدارس الفكر الصينية الكبيرة، أسسها موتسو 479 ق.م، وهو من الشخصيات الهامة في تاريخ الصين القديمة، وقد كان "موتسو" معاصرا لكونفوشيوس وواحدا من خصومه.

وقد اهتم الموهيون بالسياسة والعلم والاستقراء والاستنباط ونظرية اللغة والمنطق وينطلق موتسو في تحديداته المعرفية من قضية منطقية تعتمد الاستدلال للوصول إلى الحقيقة، وكان موتسو بحق أول من أسس المنطق الشكلاني الذي ظهر على يد أرسطو اليوناني، وقد اعتمد موتسو في منطقه على الاستقراء التجريبي إلى جانب ذلك اهتم بالانتقال من المحسوس إلى المجرد، كما أكد الموهيون على ضرورة تحديد وضبط المصطلح والاسم لأنَّ اللغة الصينية تتعدّد فيها الدلالات، لهذا فإنَّ عدم تحديد تعريفات الأشياء بدقة ووضوح يؤدي إلى الخلط المعرفي، كما تطرق الموهيون إلى الكثير من القضايا المنطقية الأخرى مثل التماثل المتبادل، والعلة والمعلول ونسبية الكون في المكان.

وقد كان الموهيون متمرسين في الخطابة التي قاموا من خلالها بنشر مبادئهم، وقد تطورت الخطابة بفضل الجدل الذي اهتمت المدرسة بتطويره وتطوير طرق الاقناع ويعتبر موتسو نفسه واحد من أكبر المجادلين في الصين، لذلك يمكن اعتباره مؤسس المنطق الصيني، وعليه يمكن اعتبار ما جاءت به الموهية من أفكار ذا قيمة وأهمية كبيرة في تاريخ المنطق.

خاتمة:

ممَّا سبق ذكره يتضح لنا أنَّ الصين شيدت واحدة من أقدم الفلسفات الإنسانية إلى جانب الهنود، ولا شك أنَّ ما قدمناه مع مختلف فلاسفة الصين ومدارسها إنَّما يوحي بتعدد وتنوّع المسائل التي طرحوها وبحثوا فيها سواء في الفلسفة أو الأخلاق أو السياسة أو المنطق وغير ذلك، فكانت مساهمتهم واضحة في مجال المنطق خاصة مع كونفوشيوس في بحثه عن التعريفات وعن العلاقة بين الأسماء ومسمياتها، ولذلك يتحدث كونفوشيوس عن "تصويب الأسماء" كما استخدم القياس، كما اهتم الحكيم ميي_تي بالقياس والاستقراء، واشتهر السفسطائيون الصينيون بالخطابة والبلاغة والفصاحة، واهتمت المدرسة الموهية بالعلم والاستقراء والاستنباط ونظرية اللغة والخطابة والمنطق.



المراجع:

1- الإرهاصات الأولى للنظريات أرسطو المنطقية: بحث زروقي كمال، جامعة وهران، 2019

2- الأسس الأولى لنشأة علم المنطق في المدارس الطبيعية اليونانية الأولى دراسة تحليلية نقدية: زروقي كمال، جامعة وهران، 2020

#بحث #في #الأصول #الشرقية #للمنطق
#A #study #of #the #eastern #origins #of #logic

ورقة بحث : اشكالية التنوير والحرية عند فولتير

0

 مقدمة:

شهد القرن الثامن عشر ميلاد فجر جديد لأوروبا، تميز بنشوء حركة التنوير، حيث مثلت هذه الحركة نقلة نوعية في مسار القارة العجوز، حملت معها أفكارًا فلسفية وثقافية ثورية، عندما رفضت الموروث القديم وسلطة اللاهوت، فانطلقت شرارة التنوير من إنجلترا، لتنتشر بعد ذلك إلى فرنسا وألمانيا، ومن ثم لتشمل باقي أرجاء أوروبا.

سعى التنويريون إلى تحرير الإنسان من كافة القيود التي كبلته، فكريًا وسياسيًا وعقائديًا، وهدف التنوير إلى بناء عالم جديد يسوده العقل والعلم، بعيدًا عن الخرافات.

كان فولتير (1694-1778) كاتبًا وفيلسوفًا فرنسيًا شهيرًا عاش خلال عصر التنوير. اشتهر بنقده اللاذع للمؤسسات الدينية والسياسية من خلال كتاباته الساخرة، ودفاعه عن الحريات المدنية مثل حرية التعبير وحرية العقيدة، ساهمت أفكاره التنويرية في تمهيد الطريق للثورة الفرنسية، ونال لقب "أبو التنوير" لتأثيره الكبير على الفكر الأوروبي.

فكيف عالج فولتير مشكلة التنوير والحرية ؟

وماهي أشكال الحرية التي دافع عنها؟ 


المبحث الأول:

1- العقلانية عند فولتيرومنهج التفكير العلمي:

شكّلت العقلانية ركيزة أساسية لفكر فولتير التنويري. فقد اعتقد أنّ العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة، وأنّه يجب الاعتماد على المنطق والتجربة في تقييم الأفكار والمعتقدات. رفض فولتير أيّ شكل من أشكال التسلط الديني أو السياسي، ودافع عن حرية الفكر والنقاش المفتوح.

كان فولتير من أشدّ المؤيدين لمنهج التفكير العلمي. فقد دعا إلى استخدام الملاحظة والتجربة لفهم العالم الطبيعي، ورفض الاعتماد على التفسيرات الخرافية أو الدينية. كما آمن بأهمية العلوم في تحسين حياة البشرية.

عارض فولتير بشدة التعصب والدوغمائية، واعتقد أنّها تعيق التقدّم الفكريّ وتُعيق البحث عن الحقيقة. فقد دعا إلى التسامح الفكريّ ومُناظرة الأفكار المختلفة بحرية.

2- نقده للسلطة الدينية والسياسية ودفاعه عن الحرية: 

كان فولتير من أشدّ منتقدي السلطتين الدينية والسياسية في عصره. فقد رأى فيهما قوىً ظالمةً تقمع حرية الفكر وتُعيق التقدم، حيث ندد بشدةٍ بالتعصب الديني الذي كان سائدًا في عصره، ورأى فيه سببًا للحروب والصراعات الدينية. ودعا إلى التسامح الديني واحترام حرية المعتقد، كما هاجم بشدةٍ الكنيسة الكاثوليكية، ورأى فيها مؤسسةً فاسدةً تستغلّ الدين لتحقيق مصالحها الخاصة. كما انتقد بشدةٍ عقائد الكنيسة مثل الخلاص والآخرة.

اعتبر فولتير العقل هو أداة الإنسان الوحيدة للوصول إلى الحقيقة، ورفض الاعتماد على الوحي أو السلطة الدينية في تفسير الأمور، عارض فولتير بشدةٍ نظام الحكم الملكي المطلق الذي كان سائدًا في عصره، ورأى فيه نظامًا ظالمًا يُقيد حرية الأفراد. ودعا إلى نظام حكمٍ جمهوريٍ يُشارك فيه الشعب في الحكم، كما انتقد التفاوت الطبقي الكبير الذي كان سائدًا في عصره، ودعا إلى إقامة مجتمعٍ أكثر عدالةً ومساواةً.

دعا فولتير كذلك إلى احترام حقوق الإنسان الأساسية، مثل حرية التعبير وحرية التجمع وحرية العقيدة.


المبحث الثاني: 

1- مفهوم الحرية الفردية عند فولتير:

يُعدّ فولتير من أبرز المدافعين عن الحريات الفردية في عصر التنوير. اعتبر أنّ هذه الحريات حقوق طبيعية للبشر، نابعة من العقل ومصالحهم، بعد نفيه من فرنسا أعجب فولتير بنظام الحكم في إنجلترا، حيث تتمتع الحريات الفردية باحترام كبير، مما دفعه للدفاع عن تطبيق نفس المبادئ في بلاده.

أسس فلسفة فولتير حول الحريات الفردية:

الحريات الفردية حقوق طبيعية: يرى فولتير أنّ الحريات الفردية ليست منحة من الحاكم أو سلطة دينية، بل هي حقوق طبيعية للبشر نابعة من فطرتهم وعقولهم.

الحريات الفردية شاملة وعامة: تُطبق هذه الحريات على جميع أفراد المجتمع دون تمييز، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية.

حرية الإرادة أساس الحريات الفردية: يُؤمن فولتير بحرية الإرادة، أي قدرة الإنسان على الاختيار والتصرف دون قيود. هذه الحرية هي أساس الحريات الفردية الأخرى، مثل حرية التعبير وحرية المعتقد وحرية العمل.

2- أنواع الحريات الفردية التي ركز عليها فولتير:

حرية التعبير: دافع فولتير عن حرية التعبير دون قيود، حتى لو تضمنت آراء مخالفة أو انتقادات للسلطة.

الحرية الاقتصادية: نادى فولتير بحرية الملكية الخاصة وحقّ الفرد في ممارسة نشاطه الاقتصادي دون تدخل من الدولة.

الحرية الشخصية: دافع فولتير عن حقّ الفرد في الأمان الشخصي وحريته من الاعتقال التعسفي أو المعاملة القاسية.

نادى الفيلسوف الفرنسي بحريّة الرأي، وبالفكر المتسامح والمتعدّد، ضدّ الفكر الأحاديّ المستبدّ. ولذلك أشاد بالنموذج الإنكليزي الذي منح الحرّيات للمواطنين، بينما كان الفرنسيّون، آنذاك، ما زالوا محرومين منها.


الخاتمة:

كان فولتير، أحد أهمّ رموز عصر التنوير، ناضل بقلمه وفكره من أجل التنوير والحرية. آمن فولتير بقدرة العقل على هدم الخرافات والأوهام، وبناء عالمٍ يسوده التسامح والعدالة.

اعتبر فولتير أنّ الحرية شرط أساسيّ لالتنوير، فهي تُتيح للناس التفكير بحرية والتعبير عن آرائهم دون خوفٍ من القمع أو الاضطهاد. رفض فولتير السلطة الدينية والسياسية المطلقة، ودافع عن حقوق الإنسان والحرية الفردية.

واجه فولتير العديد من التحديات في سعيه لنشر أفكاره، فقد تعرّض للسجن والنفي والملاحقة. 

ترك فولتير إرثًا فكريًا هائلاً أثرّ في العديد من المفكرين والفلاسفة الذين جاؤوا بعده.  فأفكاره حول التنوير والحرية لا تزال ذات صلة إلى يومنا هذا،  خاصة في ظلّ التحديات التي تواجهها الديمقراطية والحريات الفردية في العديد من أنحاء العالم.


ورقة بحث : الفلسفة الإسلامية بين المنصفين والجاحدين

0

 طرح العديد من الباحثين العرب مسألة وجود فلسفة إسلامية ، ولاسيما مع بواكير التأريخ العربي للفلسفة من الباحثين المعاصرين، وعلى رأس زعماء تلك الأطروحة الشيخ مصطفى عبد الرازق في تمهيده المحوري لتاريخ الفلسفة الإسلامية، وكذا الدكتور إبراهيم مدكور، وغيرهما كثير من الباحثين العرب في الفلسفة الذين دافعوا عن تلك الأطروحة – إسلامية الفلسفة الإسلامية – بحماس، مع إقرار باحثين آخرين بعدم أصالة الفلسفة الإسلامية، ولكن هؤلاء الباحثين الآخرين ظلوا تحت نير الاتهام بالتبعية للمستشرقين الحاقدين الساعين إلى التقليل من شأن اسهام الحضارة الإسلامية في الجانب الفلسفي.

من المعلوم أن الفلسفة الإسلامية نَهلت من عدة مَنابع كالتصوف الإسلامي الذي يشمل الأفلاطونية المحدثة وينحدر من الفلسفات المسيحية واليهودية، ثم الفقه وعلم الكلام، حث ظهرت الفلسفة الإسلامية مع الكندي، الفارابي وابن رشد، الذي استطاع أن يؤسس نسقا فلسفيا بين الفقه وعلم الكلام. 

تعتبر الفلسفة الإسلامية في حد ذاتها جمعا بين الفقه وعلم الكلام خصوصا مع المعتزلة لكونهم ناقشوا القضايا الكبرى بالاعتماد على العقل، كما يتجلى إسهام الفلسفة الإسلامية في إدخال مؤلفين في المنطق هما الشعر والخطابة لتصبح ثمانية مؤلفات عوض ستة مؤلفات.

لكن السؤال عن وجود فلسفة اسلامية أصيلة طفا على السطح خصوصا مع تشكيكات المستشرقين ،

- فهل في حضارة الإسلام فلسفة أصيلة ؟ 

- أم أن الفلسفة الإسلامية لا تعدو كونها ترجمة عربية للأصل اليوناني ؟

الرأي المدافع عن أصالة الفلسفة الإسلامية:

1- يعتمد هذا الرأي على جدل مطلق حول أن التشابه الذي لا تخطئه العين المجردة بين مضامين الفلسفة الإسلامية والفلسفة اليونانية؛ الذي لا يستلزم بالضرورة المساواة أو السببية، وأن الفلسفة الإسلامية اهتمت بموضوعات جديدة في السياق الإسلامي، أو عالجت موضوعات سبق تناولها في الفلسفة الكلاسيكية، ولكن بصورة إسلامية، فالوحي يبحث في أسئلة الوجود الأساسية: المصدر، والغاية، والقيمة، يبحث في الحق والخير، وهي ذاتها المواضيع التي تبحثها الفلسفة أيضا، وسواء في دائرتها الكلاسيكية (الحكمة النظرية والحكمة العملية) أو في دائرتها الحديثة (الأنطولوجيا والإكسيولوجيا والإبستمولوجيا) تسعى الفلسفة إلى الأهداف نفسها والإجابة على الأسئلة نفسها، فقط دون أن تكون خاضعة للوحي كمنظومة متعالية.

2- الفلسفة الإسلامية التي يمكن أن توصف بهذا الوصف حقًّا هي علم الكلام الإسلامي. ولذلك فالمستشرقون الأوائل الذين كتبوا في التاريخ الفلسفة الإسلامية، مثل دي بور، وكوربان، ونحوهما، كانوا مصيبين حين وضعوا الفرق الكلامية الإسلامية ضمن التأريخ الفلسفي للإسلام، وهو ما سار على دربه أكثر الباحثين المحدثين العرب بعد ذلك.

3- التفكر شرعي ومأمور به، ومادام في موضوعات مبحوثة في الفلسفة كمجال؛ فهو إذن فلسفة، فالتفكر الإسلامي هو نوع من التفلسف، ذلك أن التفكير كله فلسفة، وأنه حتى من ينقض الفلسفة فهو يتفلسف.


الرأي المشكك في أصالة الفلسفة الإسلامية:

1- يرى أن حجة تشابه المضامين غير كاف للزعم بوجود فلسفة كلاسيكية إسلامية بالمعنى الفني. فالفلاسفة الإسلاميون الروَّاد مصرحون بتعظيم الفلاسفة اليونان الأوائل، والأخذ عنهم، وبخاصة أفلاطون وأرسطو، وأنهم قدوات الكمال الإنساني وفي منزلة الأنبياء، واستفادتهم منهم، ونقلهم عنهم؛ أمر لا يحتاج إلى التدليل أو البرهنة. وكون الفلاسفة الإسلاميين خالفوا أرسطو أو أفلاطون أو غيرهما في مسائل، أو فرَّعوا مباحث جديدة، أو حتى موضوعات جديدة؛ فهذا لم تخل منه فلسفة تابعة قط حتى داخل المذهب الواحد.

2- علم الكلام يختلف عن الفلسفة في كونه ينطلق من الوحي، مستعملا المنهج العقلي، فهو يهدف لإثبات العقائد الإيمانية والدفاع عنها من خلال المنهج العقلي.

وهذا يختلف تمامًا عن الفلسفة المحضة المنسوبة للإسلاميين -الفارابي، ابن سينا، ابن رشد -؛ فهي تنطلق من العقل والفلسفة الفنية. وذلك بقطع النظر عن محاولة الفلاسفة الإسلاميين التوفيق بين النظر الفلسفي المحض مع المطالب الدينية الواردة في الوحي من عدمه؛ فإن مجرد الاتفاق في النتائج لا يستلزم الاتفاق في المنطلق المصدري أولًا، وفي الآلة الفنية المنهجية والبناء الاستدلالي ثانيًا.

3- رغم وجود دعوى واضحة لاستعمال العقل في التفكر الإسلامي غير أنه ستبقى هناك على الدوام أُطرًا إسلامية وحيانية عامة، قيمية أو علمية يجب أن يخضع لها ذلك العقل، لتكون فلسفته إسلامية بهذا الاعتبار ، ولكنه ساعتها لن يكون تفلسفا بالمعنى الفني، كما جادلنا من قبل، مادام خاضعًا لمصدر متعال "الوحي" في تفلسفه، ذلك أن البحث والتأمل في الموضوعات الفلسفية، مأطورًا بسقف الوحي: هو تفكُّر، والتفكر باستعمال أدواته الدينية، وغير الدينية في تلك المجالات، هو تفكر شرعي مأمور به. ولكنه ليس فلسفة بالمعنى الفني مادام ليس علمانيًّا وضعيًّا.



الخاتمة:

إن حاولنا الجواب عن السؤال: هل هناك فلسفة إسلامية؟ على المستوى المضموني المجرد، بمعنىي بقطع النظر عن مصدرية الاثنين: الوحي، والفلسفة-، فيمكن أن يقال إن في الإسلام مضمونًا فلسفيًّا واضحًا، من جهة أنه يتناول كثيرًا من الموضوعات ويقدم كثيرًا من الإجابات على الأسئلة الأساسية التي تتناولها الفلسفة.

 فالإسلام على مستوى النص يطرح أسئلة الوجود الإلهي، والكوزمولوجي، والإنساني، والعلاقة بين الجميع، وهي نفس الميادين التي يبحثها الفيلسوف، فللإسلام فلسفته بمعنى أن له أطروحاته وإجاباته على تلك الأسئلة.

ولكن إن نظرنا إلى ذلك السؤال بمعنى: هل في الإسلام فلسفة بالمعنى الفني، وهو الآراء الفلسفية المستمدة من الآلة العقلية والتأملية في الموجود بما هو موجود، بمعزل عن أي مصدرية متعالية؛ فليس في الإسلام فلسفة بهذا المعنى قطعًا، فالإسلام لا يقدم آراء فلسفية، ولكن حقائق نهائية من الله العليم الخبير، مستندة ومسنودة بالوجود المتعالي مطلق الكمال، وهذا ليس فلسفة بالمعنى الفني كما هو واضح.


ورقة بحث : التأويل الرمزي عند أفلوطين

0

 يعد أفلوطين (205-270م) أحد أبرز فلاسفة الباطنية في العصر القديم، وقد أثرت أفكاره بشكل كبير على الفلسفة الإسلامية والمسيحية. ومن أهم أفكاره تأويله الرمزي للظواهر الطبيعية والثقافية، والذي يعد أحد العناصر الأساسية في فلسفته.

يمكن إرجاع التأويل الرمزي في التراث الأفلاطوني إلى أفلاطون نفسه، فقد كان يؤمن بأن العالم المادي هو صورة للعالم المثالي، وأن الموجودات الحسية هي تعبيرات عن الموجودات المعنوية. وقد تأثر أفلاطون في هذا الرأي بأستاذه سقراط، الذي كان يؤمن بأن الأشياء المادية هي مجرد ظلال للأشياء الحقيقية.

وقد تطور التأويل الرمزي في الفلسفة الأفلاطونية المتأخرة، حيث أصبح أكثر وضوحًا ودقة. فقد رأى أفلوطين أن العالم المادي هو تعبير عن العالم الإلهي، وأن الموجودات الحسية هي تجليات للوجود الإلهي.

تأويل أفلوطين الرمزي الذي حظي هذا التأويل باهتمام كبير من قبل الباحثين والمفكرين، نظراً لما يتمتع به من عمق وسعة، وبما يمثله من مساهمة مهمة في تاريخ الفكر الإنساني.

ويستند تأويل أفلوطين الرمزي إلى أساسين رئيسيين: الأول هو إيمانه بوحدة الوجود، والثاني هو اعتقاده بأن العالم المادي هو صورة للعالم المثالي.

وبناءً على هذين الأساسين، فإن أفلوطين يرى أن العالم المادي هو عالم رمزي، وأن كل شيء فيه يرمز إلى شيء آخر في العالم المثالي.

وهكذا، فإن تأويل أفلوطين الرمزي هو تأويل باطني، يسعى إلى كشف المعنى الخفي للأشياء.


مفهوم الرمزية عند أفلوطين:

يرى أفلوطين أن الرمزية هي وسيلة للوصول إلى الحقيقة الباطنية الكامنة وراء الظاهر. فالرمز هو تعبير عن شيء ما غير مرئي أو غير معروف، ولكنه يشير إليه بطريقة غير مباشرة. ولذلك، فإن التأويل الرمزي هو عملية كشف للحقيقة الباطنية الكامنة وراء الرمز.

ويرى أفلوطين أن الرمزية هي تعبير عن وحدة العالم، حيث أن كل شيء في العالم يرتبط ببعضه البعض بطريقة ما. فالرمز هو تعبير عن هذه الوحدة، حيث أنه يربط بين ظاهر الشيء وباطنه، وبين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والكون. 

العناصر الأساسية للتأويل الرمزي عند أفلوطين :

يمكن إجمال العناصر الأساسية للتأويل الرمزي عند أفلوطين في النقاط التالية:

وحدة الوجود: ينطلق أفلوطين من إيمانه بوحدة الوجود، أي أن كل شيء في العالم ينتمي إلى وحدة واحدة. وهذا يعني أن العالم المادي هو جزء من العالم المثالي، وأن كل شيء فيه يرمز إلى شيء آخر في العالم المثالي.

الصورة والمثال: يعتقد أفلوطين أن العالم المادي هو صورة للعالم المثالي، أي أن كل شيء في العالم المادي هو انعكاس لشيء آخر في العالم المثالي. وهذا يعني أن كل شيء في العالم المادي يرمز إلى شيء آخر في العالم المثالي.

التشابه: يعتقد أفلوطين أن هناك تشابهًا بين العالم المادي والعالم المثالي، أي أن هناك صفات مشتركة بين الاثنين. وهذا يعني أن كل شيء في العالم المادي يرمز إلى شيء آخر في العالم المثالي، من خلال التشابه بينهما.

الرمزية: يعتقد أفلوطين أن كل شيء في العالم المادي هو رمز، أي أنه يشير إلى شيء آخر. وهذا يعني أن كل شيء في العالم المادي يمكن تفسيره على أنه رمز لشيء آخر في العالم المثالي.

أنواع الرمزية عند أفلوطين:

قسم أفلوطين الرمزية إلى ثلاثة أنواع:

الرمز الطبيعي: وهو الرمزي الذي ينشأ بشكل طبيعي، دون تدخل الإنسان. ومثال ذلك: الشمس والقمر والنجوم، والتي ترمز إلى الآلهة عند قدماء المصريين.

الرمز الفني: وهو الرمزي الذي ينشئه الإنسان بشكل فني، مثل الشعر والأساطير والحكايات. ومثال ذلك: قصص الفصول الأربعة في الأساطير اليونانية، والتي ترمز إلى دورة الحياة.

الرمز الديني: وهو الرمزي الذي يستخدم في الدين، مثل الكتاب المقدس والأحاديث النبوية. ومثال ذلك: قصص الأنبياء في القرآن الكريم، والتي ترمز إلى رحلة الإنسان إلى الله.

يرى أفلوطين أن الإنسان هو رمز للعالم الروحي. فمثلاً، يرى أن العقل هو رمز للإله، وأن الروح هي رمز للعالم المثالي، وأن الجسد هو رمز للعالم المادي.

ويعتقد أفلوطين أن معرفة هذه الرموز تساعد الإنسان على فهم نفسه، وبالتالي الوصول إلى الحقيقة الباطنية.

أمثلة على التأويل الرمزي عند أفلوطين:

قدم أفلوطين العديد من الأمثلة على التأويل الرمزي في أعماله، ومن أبرز هذه الأمثلة ما يلي:

الشمس: يرى أفلوطين أن الشمس هي رمز للإله الواحد، وأن نورها هو رمز للنور الإلهي.

النار: يرى أفلوطين أن النار هي رمز للروح، وأن لهيبها هو رمز لقوة الروح.

الماء: يرى أفلوطين أن الماء هو رمز للجسد، وأن تدفقه هو رمز للتبدل والتحول في العالم المادي.

الأرض: يرى أفلوطين أن الأرض هي رمز للعالم المادي، وأن ترابها هو رمز لكثافة العالم المادي.


الخاتمة:

يتمتع التأويل الرمزي عند أفلوطين بأهمية كبيرة، وذلك لعدة أسباب، منها:

أنه يسهم في فهم العالم المادي: يساعد التأويل الرمزي على فهم العالم المادي من خلال كشف المعنى الخفي للأشياء. أنه يسهم في التوصل إلى الحقيقة: يساعد التأويل الرمزي على التوصل إلى الحقيقة، من خلال كشف المعنى الحقيقي للأشياء. أنه يسهم في تطوير الفكر الإنساني: يساعد التأويل الرمزي على تطوير الفكر الإنساني، من خلال تقديم منظور جديد للعالم.

يعد تأويل أفلوطين الرمزي أحد أهم جوانب فكره الفلسفي، وقد حظي هذا التأويل باهتمام كبير من قبل الباحثين والمفكرين، نظراً لما يتمتع به من عمق وسعة، وبما يمثله من مساهمة مهمة في تاريخ الفكر الإنساني.


المراجع:

أفلوطين: فلسفة وحدة الوجود، تأليف: عبد الرحمن بدوي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1970.

أفلوطين: فلسفة الوحدانية، تأليف: محمد يوسف نجم، دار المعارف، القاهرة، 1973.

الرمزية عند أفلوطين، د. محمد عبد السلام تاج، دار الثقافة، القاهرة، 1993.

الفلسفة الأفلاطونية، د. يوسف كرم، دار المعارف، القاهرة، 1960.. 


التأويل الرمزي عند أفلوطين

ورقة بحث : نشأة التفكير العقلي الإسلامي

0

 لقد اختلف الباحثون في تعريف الفلسفة الإسلامية، بين من نفى وجودها بالمرة واعتبرها مجرد إعادة إنتاج للفلسفة اليونانية وأن ما كتبه (الكندي، الفارابي، ابن رشد) هو تكرار لما قاله أفلاطون وأرسطو، هذه نظرة المستشرقين، ودليلهم على ذلك هو أن الفرد العربي قاصر على إبداع صيغ فلسفية متكاملة. ونجد أيضا بعض الإسلاميين المعاصرين لم يعترفوا بالفلسفة الإسلامية بدافع ديني تعصبي، معتبرين أن فلسفة الإسلام مستمدة من أصوله العقائدية والثقافية.

نَهلت الفلسفة الإسلامية من عدة مَنابع نذكر منها: التصوف الإسلامي الذي يشمل الأفلاطونية المحدثة وينحدر من التأثيرات المسيحية واليهودية، ثم الفقه وعلم الكلام. 

لقد ظهرت الفلسفة الإسلامية مع الكندي، الفارابي وابن رشد، هذا الأخير -ابن رشد- استطاع أن يؤسس نسقا فلسفيا بين الفقه وعلم الكلام. إن الفلسفة الإسلامية في حد ذاتها هي الفقه وعلم الكلام خصوصا مع المعتزلة لأنهم ناقشوا القضايا الكبرى بالاعتماد على العقل. وتبقى مرحلة الاندلس هي مرحلة الرقي الفلسفي مع كل من إبن رشد و ابن طفيل ،كما لا ننسى مرحلة التمهيد لهذا الرقي مع الرازي خصوصا. 

المبحث الأول : ضبط مفهوم الفلسفة في العصر الإسلامي

مفهوم الفلسفة الإسلامية

الفلسفة الإسلامية مصطلح عام يمكن تعريفه واستخدامه بطرق مختلفة، فيمكن للمصطلح أن يستخدم على انه الفلسفة المستمدة من نصوص الإسلام بحيث يقدم تصور الإسلام ورؤيته حول الكون والخلق والحياة والخالق. لكن الاستخدام الاخر الأعم يشمل جميع الأعمال والتصورات الفلسفية التي تمت وبحثت في إطار الثقافة العربية الإسلامية والحضارة الإسلامية تحت ظل الإمبراطورية الإسلامية من دون أي ضرورة لأن يكون مرتبطا بحقائق دينية أو نصوص شرعية إسلامية. في بعض الأحيان تقدم الفلسفة الإسلامية على أنها كل عمل فلسفي قام به فلاسفة مسلمون  نظرا لصعوبة الفصل بين جميع هذه الأعمال

مفهوم الفلسفة في الإسلام

أقرب كلمة مستخدمة في النصوص الإسلامية الأساسية (القرآن والسنة) لكلمة فلسفة هي كلمة (حكمة)، لهذا نجد الكثير من الفلاسفة المسلمين يستخدمون كلمة (حكمة) كمرادف لكلمة (فلسفة) التي دخلت إلى الفكر العربي الإسلامي كتعريب لكلمة Philosophy اليونانية. وإن كانت كلمة فلسفة ضمن سياق الحضارة الإسلامية بقيت ملتصقة بمفاهيم الفلسفة اليونانية الغربية، فإن عندما نحاول أن نتحدث عن فلسفة إسلامية بالمفهوم العام كتصور كوني وبحث في طبيعة الحياة : لا بد أن نشمل معها المدارس الأخرى تحت المسميات الأخرى : وأهمها علم الكلام وأصول الفقه وعلوم اللغة1.

المبحث الثاني : مراحل التفكير الفلسفي الإسلامي

نشأة الفلسفة الإسلامية

بدأت الفلسفة الإسلاميّة المبكّرة مع يعقوب بن اسحاق الكندي في القرن الثاني من التقويم الإسلامي (أوائل القرن التاسع الميلادي) وانتهت مع ابن رشد في القرن السادس الهجري (أواخر القرن الثاني عشر الميلادي)، وتزامن ذلك -على نطاق واسع- مع الفترة المعروفة باسم العصر الذهبيّ للإسلام

إذا اعتبرنا تعريف الفلسفة على أنها محاولة بناء تصور ورؤية شمولية للكون الحياة، فإن بديات هذه الأعمال في الحضارة الإسلامية بدأت كتيار فكري في البدايات المبكرة للدولة الإسلامية بدأ بعلم الكلام، ووصل الذروة في القرن التاسع عندما أصبح المسلمون على إطلاع بالفلسفة اليونانية القديمة والذي أدى إلى نشوء رعيل من الفلاسفة المسلمين الذين كانوا يختلفون عن علماء الكلام.

علم الكلام كان يستند أساسا على النصوص الشرعية من قرآن وسنة وأساليب منطقية لغوية لبناء أسلوب احتجاجي يواجه به من يحاول الطعن في حقائق الإسلام، في حين أن الفلاسفة المشائين، وهم الفلاسفة المسلمين الذين تبنوا الفلسفة اليونانية، فقد كان مرجعهم الأول هو التصور الأرسطي أو التصور الأفلوطيني الذي كانوا يعتبرونه متوافقا مع نصوص وروح الإسلام. و من خلال محاولتهم لاستخدام المنطق لتحليل ما إعتبروه قوانين كونية ثابتة ناشئة من إرادة الله، قاموا بداية بأول محاولات توفيقية لردم بعض الهوة التي كانت موجودة أساسا في التصور لطبيعة الخالق بين المفهوم الإسلامي لله والمفهوم الفلسفي اليوناني للمبدأ الأول أو العقل الأول.

جدل الفلسفة العقلية في الإسلام

تطورت الفلسفة الإسلامية من مرحلة دراسة المسائل التي لا تثبت إلا بالنقل والتعبّد إلى مرحلة دراسة المسائل التي ينحصر إثباتها بالأدلة العقلية ولكن النقطة المشتركة عبر هذا الامتداد التأريخي كان معرفة الله وإثبات الخالق  بلغ هذا التيار الفلسفي منعطفا بالغ الأهمية على يد ابن رشد من خلال تمسكه بمبدأ الفكر الحر وتحكيم العقل على أساس المشاهدة والتجربة  أول من برز من فلاسفة العرب كان الكندي الذي يلقب بالمعلم الأول عند العرب، من ثم كان الفارابي الذي تبنى الكثير من الفكر الأرسطي من العقل الفعال وقدم العالم ومفهوم اللغة الطبيعية. أسس الفارابي مدرسة فكرية كان من أهم اعلامها : الأميري والسجستاني والتوحيدي. كان الغزالي أول من أقام صلحا بين المنطق والعلوم الإسلامية حين بين أن أساسيب المنطق اليوناني يمكن ان تكون محايدة ومفصولة عن التصورات الميتافيزيقية اليونانية. توسع الغزالي في شرح المنطق واستخدمه في علم أصول الفقه، لكنه بالمقابل شن هجوما عنيفا على الرؤى الفلسفية للفلاسفة المسلمين المشائين في كتاب تهافت الفلاسفة، رد عليه لاحقا ابن رشد في كتاب تهافت التهافت.

تيار الرفض ونقد الفلسفة في الإسلام

في إطار هذا المشهد كان هناك دوما اتجاه قوي يرفض الخوض في مسائل البحث في الإلهيات وطبيعة الخالق والمخلوق وتفضل الاكتفاء بما هو وارد في نصوص الكتاب والسنة، هذا التيار الذي يعرف "بأهل الحديث" والذي ينسب له معظم من عمل بالفقه الإسلامي والاجتهاد كان دوما يشكك في جدوى أساليب الحجاج الكلامية والمنطق الفلسفية. و ما زال هناك بعض التيارات الإسلامية التي تؤمن بأنه "لا يوجد فلاسفة للإسلام"، ولا يصح إطلاق هذه العبارة، فالإسلام له علماؤه الذين يتبعون الكتاب السنة، أما من اشتغل بالفلسفة فهو من المبتدعة الضُّلال

في مرحلة متأخرة من الحضارة الإسلامية، ستظهر حركة نقدية للفلسفة أهم أعلامها : ابن تيمية الذي يعتبر في الكثير من الأحيان أنه معارض تام للفلسفة وأحد أعلام مدرسة الحديث الرافضة لكل عمل فلسفي، لكن ردوده على أساليب المنطق اليوناني ومحاولته تبيان علاقته بالتصورات الميتافيزيقية (عكس ما أراد الغزالي توضيحه) وذلك في كتابه (الرد على المنطقيين) اعتبر من قبل بعض الباحثين العرب المعاصرين بمثابة نقد للفلسفة اليونانية أكثر من كونه مجرد رافضا لها. 

الخاتمة:

لم يكن للعرب قبل الإسلام مَباحثُ فلسفية تُذكَر، اللهم إلَّا بعض أشكال النظر العقلي البسيطة التي هدفَت إلى الاستدلال على خالق الكون. ومع ظهور رسالة الإسلام وانطلاق العرب لفتح البلاد، تعرَّفوا على علوم الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية، ولكنهم شُغِفوا بأعمال اليوناني «أرسطو»، فاعتنَوْا بترجمتها ودراسة شروحها، فتأثَّروا بها أيَّما تأثُّر، الأمر الذي جعل بعض المستشرقين يُقرِّرون أنْ ليس هناك فلسفةٌ إسلامية أو عربية خالصة، بل هي تَرجماتٌ عربية لمؤلَّفاتِ «أرسطو». 

لكن الحقيقة هي أن الفلسفة الإسلامية مرَّت بأطوارٍ طبيعية من التكوين والتأثُّر حتى قدَّمت موضوعاتها الخاصة، فظهر مثلًا «علم الكلام» الذي وُضِع للدفاع عن الدين ضد المتشكِّكين مُستخدِمًا أدواتٍ ووسائلَ منطقية وجدلية. كما ظهرت مدارسُ فلسفية، مثل «المعتزلة» و«المتصوِّفة»، أَثْرَت أعمالُها الفكرَ الإنساني.

˅

المراجع:

    1- تمهيد في تاريخ الفلسفة الإسلامية، مصطفى عبد الرازق 

    2- بين الدين والفلسفة: في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط، محمد يوسف موسى


تحميل البحث بصيغة PDF

نشأة التفكير العقلي الإسلامي

بحث : ورقة بحثية فلسفة تأويل النص عند إبن رشد

0
ظهرت الحاجة للتأويل عند ابن رشد في مجالين على الأقل نحاول بسط الحديث فيها في هذه الورقة البحثية، وهما تأويل النص الفلسفي من جهة وتأويل النص الديني المقدس هو الآخر من جهة أخرى، و يبدو أن هذه الحاجة ألحت على ابن رشد بسبب تعارض ظواهر بعض النصوص المقدسة مع إقرارات العقل وكذا غموض وعسر مفاهيم الفلسفة العقلية، الأرسطية بالخصوص، وبُعدها عن متناول الفهم العام.   كذلك اشتغل ابن رشد بالتأويل ثقة منه أن العامة، الذين دعاهم بالخطابيين، لا قدرة لهم على فهم واستيعاب بعض الحقائق عارية دون تبسيطها وتأويل دلالاتها، غير أنه بمقابل ذلك ينهى عن تأويل بعض النصوص المقدسة وتركها على مدلولها الظاهري في متناول العامة ، رحمة بعقولهم وتجنبا للفتنة، فقد كان مما عابه على سابقيه، خصوصا في نقده للغزالي، كونهم فتحوا هذا المجال أمام الناس دون تحفظ فشاع الخلاف وظهرت الفرقة.  فكيف كان تأويله للنصين الفلسفي والديني ؟  وماهي القواعد التي سنها لضبط هذا التأويل ؟  و يعد الفيلسوف «ابن رشد» الفقيه والطبيب والفيزيائي والقاضي المسلم، المولود في «قرطبة» والذي عاش في وقتٍ كانت الأندلس منارة ثقافية وعلمية وحضارية كبرى بعلمائها ومكتباتها. صاحب إسهام عظيم في الفلسفة؛ حيث قدَّمَ شروحات للفلسفة اليونانية احتفى بها الغربُ وترجَمَها، وقد رأى ابن رشد أن ليس ثمة تعارُض بين الدِّين والفسلفة فكلاهما ينشد الحقيقة. وهذه الشروح حملت الكثير من فلسفته الخاصة، تلك الفلسفة كانت سببًا من أسباب نكبته المعروفة؛ حيث أُحْرِقت كُتُبه، وتم نفيه بعيدًا عن دياره بعد أن اتُّهِمَ بالزندقة والإلحاد بإيعاز من حساده، وإنْ كان قد بُرِّئَ منها في أواخر حياته.4  لقد كان من نتائج هذا العداء، أن وُجدت هوَّة بين الفلاسفة ورجال الدين ظلت دهرًا طويلًا فاصلًا بينهم، وأن رمي رجالُ الدين الفلاسفةَ بالإلحاد إن لم نقل بالكفر، وجازاهم هؤلاء شرًّا بشر فرموهم بالجهل وعدم فهم الدين! وكان من هذا وذاك أن حُرم الدين من جهود كثير من أبنائه المفكرين، فانكمش التفكير الحر الصحيح وخاصة بعد وفاة ابن رشد سنة ٥٩٠ﻫ، فقد فقدت به الفلسفة الإسلامية أكبر ممثل ونصير لها من المسلمين، وتضافرت عوامل مختلفة لسيادة روح التقليد.2

 المقدمة:

ظهرت الحاجة للتأويل عند ابن رشد في مجالين على الأقل نحاول بسط الحديث فيها في هذه الورقة البحثية، وهما تأويل النص الفلسفي من جهة وتأويل النص الديني المقدس هو الآخر من جهة أخرى، و يبدو أن هذه الحاجة ألحت على ابن رشد بسبب تعارض ظواهر بعض النصوص المقدسة مع إقرارات العقل وكذا غموض وعسر مفاهيم الفلسفة العقلية، الأرسطية بالخصوص، وبُعدها عن متناول الفهم العام. 

كذلك اشتغل ابن رشد بالتأويل ثقة منه أن العامة، الذين دعاهم بالخطابيين، لا قدرة لهم على فهم واستيعاب بعض الحقائق عارية دون تبسيطها وتأويل دلالاتها، غير أنه بمقابل ذلك ينهى عن تأويل بعض النصوص المقدسة وتركها على مدلولها الظاهري في متناول العامة ، رحمة بعقولهم وتجنبا للفتنة، فقد كان مما عابه على سابقيه، خصوصا في نقده للغزالي، كونهم فتحوا هذا المجال أمام الناس دون تحفظ فشاع الخلاف وظهرت الفرقة.

فكيف كان تأويله للنصين الفلسفي والديني ؟

وماهي القواعد التي سنها لضبط هذا التأويل ؟

و يعد الفيلسوف «ابن رشد» الفقيه والطبيب والفيزيائي والقاضي المسلم، المولود في «قرطبة» والذي عاش في وقتٍ كانت الأندلس منارة ثقافية وعلمية وحضارية كبرى بعلمائها ومكتباتها. صاحب إسهام عظيم في الفلسفة؛ حيث قدَّمَ شروحات للفلسفة اليونانية احتفى بها الغربُ وترجَمَها، وقد رأى ابن رشد أن ليس ثمة تعارُض بين الدِّين والفسلفة فكلاهما ينشد الحقيقة. وهذه الشروح حملت الكثير من فلسفته الخاصة، تلك الفلسفة كانت سببًا من أسباب نكبته المعروفة؛ حيث أُحْرِقت كُتُبه، وتم نفيه بعيدًا عن دياره بعد أن اتُّهِمَ بالزندقة والإلحاد بإيعاز من حساده، وإنْ كان قد بُرِّئَ منها في أواخر حياته.4

لقد كان من نتائج هذا العداء، أن وُجدت هوَّة بين الفلاسفة ورجال الدين ظلت دهرًا طويلًا فاصلًا بينهم، وأن رمي رجالُ الدين الفلاسفةَ بالإلحاد إن لم نقل بالكفر، وجازاهم هؤلاء شرًّا بشر فرموهم بالجهل وعدم فهم الدين! وكان من هذا وذاك أن حُرم الدين من جهود كثير من أبنائه المفكرين، فانكمش التفكير الحر الصحيح وخاصة بعد وفاة ابن رشد سنة ٥٩٠ﻫ، فقد فقدت به الفلسفة الإسلامية أكبر ممثل ونصير لها من المسلمين، وتضافرت عوامل مختلفة لسيادة روح التقليد.2


المبحث الأول : ما بين النصين الديني والفلسفي

المطلب الأول : تأويل النص الفلسفي عند ابن رشد

يرى ابن رشد أن الاستفادة من الفلسفة اليونانية ضرورية رغم الإشكالات الكثيرة التي حدثت بسبب تعارض الكثير من المفاهيم الفلسفية مع العقيدة الإسلامية حيث قال : 

وليس يمنع من النظر في تراث الإغريق أن ضلَّ بالنظر فيه قوم لم يكونوا أهلًا لمعرفته، كما ليس لنا أن نمنع العطشان من ورود الماء العذب البارد؛ لأن غيره شرب منه فمات؛ فإن هذا الضرر أمر عرض. 3

ويرى ابن رشد أن التأويل هو الوسيلة الناجعة لحل الخلاف الحاصل والتقريب بين المفاهيم، حيث لا شك عند ابن رشد أن التأويل هو منهج أساسي لفهم النص الديني أو الفلسفي وتحديد مقاصده. وهو أمر لا يتحقق للمؤول، إلا إذا اعتمد على آليات معينة، إلى جانب التزامه بأسس وقوانين محددة.5

وقد اعتمد ابن رشد على المنطق، بوصفه أداة أساسية في التأويل، تمكن من بلوغ الحقيقة اليقينية التي لا شك فيها. وإن كانت هذه الأداة من وضع أرسطو، إلا أن ابن رشد لم يرى فيها مشكلة، وحاول البرهنة على مشروعية الفلسفة وعلوم المنطق بالاستناد إلى الشرع. لكن ابن رشد تمكن بفضل القياس البرهاني من شرح وتفسير النص الأرسطي، لأنه يقوم على مقدمات يقينية واضحة، إما أن تكون ناتجة من البرهان أو بديهية، وبترتيب هذه المقدمات ترتيباً منطقياً، من البسيط إلى المعقد، يسهل إدراك النتيجة وفهمها، ومن ثم يزول الغموض، ويتوضح الغرض الأرسطي أكثر.5 

كما تمكن ابن رشد من تخليص النص الأرسطي من كل ما هو غامض، سواء على مستوى اللفظ أم المعنى، حيث استبدل بعض المصطلحات الغامضة، وغير المتداولة، في ذلك الوقت، بمصطلحات معروفة ومتداولة. وعمل أيضاً على ضبط المعنى بتقويم الجملة وتصحيحها على المستوى اللغوي.5

كان يهدف ابن رشد من خلال شرحه وتلخيصه للنص الأرسطي إلى تحديد أغراضه من جهة، وإلى البرهنة على المشاكل الفلسفية، وإيجاد الحلول لها بمقدمات صادقة من جهة أخرى، الأمر الذي مكنه من قراءة النص الأرسطي وفق رؤية متميزة، ومن البرهان على المشاكل الفلسفية التي طرحها أرسطو بمقدمات نابعة من رؤيته الميتافيزيقية الخاصة به لا بأرسطو، وهو بتلك القراءة يعدّ مجدداً لا مقلداً.5 

إضافة إلى أن النص الأرسطي يفتقد البيان والوضوح، بالنظر إلى عدم اعتماده على المقدمات الواضحة والبينة بذاتها، وعلى التسلسل في عرضها، لذلك لجأ ابن رشد إلى حلّ الإشكالات وتحديد غرض أرسطو بدقة، كي يزول الغموض وتتحدد الأهداف بمقدمات أكثر وضوحاً وبياناً وتسلسلاً، الأمر الذي يسهل الاستنباط، ومن ثم يحصل الفهم وتتم المعرفة.5

المطلب الثاني : النص الديني بين ظاهر وباطن

وفي مواجهة المشكلات الدلالية في النص الديني يرى ابن رشد أنه :  كان لا بد من أَخْذِ العُدَّة لعلاج ما يظهر من تعارض واختلاف بين النص ونظر العقل. هذه العدة تقوم على أنه من المقطوع به — كما يؤكد فيلسوفنا — أن كل ما أدَّى إليه البرهان الصحيح لا يمكن أن يخالف ما أتى به الشرع؛ فإن الحق لا يضاد الحق، بل يشهد له.3

وإذن؛ فإن وُجد هذا التعارض والاختلاف، كان لا بد من تأويل النص تأويلًا يتفق وما نعرف من قواعد اللغة، وذلك مثلًا بإخراجه عن دلالته الحقيقية إلى دلالته المجازية. بهذا لا يصطدم العقل والشرع، ولا تترك واحدًا منهما لأجل الآخر، بل نجعل لكل منهما اعتباره، ونوفق بينهما بما لا تأباه اللغة وأصولها، فتزول العقبة — وهي تعارض نص الوحي ونظر العقل — كانت تقف في سبيل هذا الجمع والتوفيق.3

وكان من نتائج هذا المنهج هو التأكيد على وجود آيات وأحاديث لا بد من صرفها عن ظاهرها وتأويلها لنتعرَّف على المعاني الخفية المرادة منها ، أو بعبارة أخرى هي ضرورة انقسام الشرع إلى ظاهر وباطن لكل منهما أهله، و أن الناس مختلفون في الفِطَر والعقول.3

وهم لهذا تختلف حالاتهم في فهم النصوص وإدراك ما يراد بها، كما تختلف وسائلهم في التصديق بما يجب التصديق به من أمور هذا العالم الحاضر والعالم الآخر، ومن وجود الله وما يتصل به من سائر ما جاء به الدين من معتقدات.3

ومن أجل ذلك، يُقسِّم فيلسوف قرطبة الناس إلى ثلاث طوائف: 

    1- الخطابيون، وهم الكثرة الغالبة السهلةُ الاقتناع التي تصدق بالأدلة الخطابية، 

    2- وأهل الجَدَل — ومنهم المتكلمون — الذين ارتفعوا حقًّا عن العامة، ولكنهم لم يصلوا لمرتبة أهل البرهان الحقيقي،

    3- والبرهانيون بطبائعهم المواتية وبالحكمة التي راضوا عقولهم عليها، وأخذوا أنفسهم بها.3


المبحث الثاني : قواعد التأويل عند ابن رشد

المطلب الأول : المستويات الثلاثة للتأويل 

لم يدع ابن رشد الأمر فوضى؛ فيؤول كلٌّ ما يريد من النصوص، ويثبت التآويل في أي كتاب يريد، ويصرح بها لمن يشاء، بل جعل لكل ذلك قانونًا يعلم منه ما يجوز تأويله وما لا يجوز، وما جاز تأويله فلمن؟ هذا التأويل، الذي جعل بحسبه كل شيء في موضعه، ختم به كتابه: «الكشف عن مناهج الأدلة.3

أراد ابن رشد بهذا القانون أن يضع حدًّا للتآويل التي كثرت وذاعت وتناولها الجميع حتى حدثت عنها اعتقادات غريبة وبعيدة عن ظاهر الشريعة، ووُجد بسببها في الإسلام فرق متباينة يكفِّر بعضها بعضًا. وهذا كله جهل بمقصد الشرع وتعدٍّ عليه كما يقول.3

ومن أجل ذلك، ولإزالة العداوة بين الفلسفة والشريعة، يجب بصفة عامة ألا يُصَرَّحَ بالتآويل، وبخاصة ما يحتاج منها إلى برهان لغير أهلها، وهم القادرون على البرهان والاستدلال بالمنطق، كما يجب ألا نثبت شيئًا منها في الكتب الخطابية والجدلية الموضوعة للعامة ومن إليهم من الجدليين. إننا إن فعلنا غير هذا أثمنَا، وكنا سببًا في إضلال كثير من الناس.3

من السهل بعد هذا أن نفهم أن فيلسوفنا لا يرى أن في النصوص الدينية — من القرآن والحديث — نصوصًا متشابهات، لا بالنسبة للعلماء الذين يعلمون مع الله تأويلها، ولا بالنسبة للجمهور الذي لا يُطْلَبُ منه إلا أن يؤمن بما يفهم من ظواهرها دون البحث عن تأويلها وبيان معانيها الخفية. 

أما أهل الجدل والمتكلمون، فهم الذين يوجد في حقهم التشابه في بعض هذه النصوص. إنهم وقد ارتفعوا عن العامة، ولم يصلوا إلى مرتبة الخاصة، عرضت لهم شكوك وشبه لا يقدرون على حلها، ولكنهم تعلقوا بها، فحاولوا عبثًا تأويلها، فضلوا في أنفسهم، وأضلوا من اتبعهم؛ لهذا ذمهم الله بأن في قلوبهم زيغًا ومرضًا، فهم يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله، وما هم ببالغيه، إذ لا يعلم هذا التأويل إلا الله والراسخون في العلم، وهم ليسوا منهم في شيء.3

كما أنه يتشدد في وجوب تطبيق ما وضع من مبادئ وقواعد تتعلق بالتأويل، وتحريم أن يذاع لغير أهله، ولهذا لام الغزالي — وسائر المتكلمين من أشاعرة ومعتزلة — لإثباتهم التآويل في مؤلفاتهم، فذاعت لذلك بين العامة ومن ليس أهلًا لها.3

المطلب الثاني : محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة 

كان همُّ ابن رشد هو الإلحاحَ أولًا على وجوب الفصل بين العامة والخاصة وتعاليم كل طائفة بينهما، وفي هذا سعادة الجميع؛ لأنَّ الحقيقة الواحدة يعبَّر عنها بطرق مختلفة باختلاف العقول والاستعدادات.2

وهذا ما جعل بعض الباحثين المُعاصرين يذهب إلى أنَّ توفيق ابن رشد بين الحكمة والشريعة — على خلاف ما كان من الفارابي وابن سينا — لم يكن توفيقًا «داخليًّا»، ولكنه فقط فصل ظاهري بين السلطات.2

ولكن الحقيقة هي أنَّ ابن رشد اضطر كما عرفنا بسبب حملة الغزالي إلى أن يترك لنا مُحاولة عملية للتوفيق بين الحكمة والشريعة توفيقًا داخليًّا حقًّا؛ ولهذا نراه في أكثر من موضع من كتاباته يعتذر من كل قلبه عما اضطر إليه من الكلام في مسائل الشريعة والفلسفة على ذلك النحو الذي لم يكن يَوَدُّه.2

ذلك ما كان من النَّاحية العملية الواقعية، أمَّا من ناحية الحق في نفسه، فإننا نستطيعُ أن نقول بأنَّ ابن رشد نجح في التوفيق بين الدين والفلسفة، وهذا في كثير من المسائل التي تناولها، ولكنه لم ينجح بصفة خاصَّة في مسألة البعث والجزاء في الدار الأُخرى؛ وذلك؛ لأنه لم يستطيع بل ليس من المُستطاع لأحد، تأويل كل الآيات القرآنية و الأحاديثَ أيضًا، التي تَدُلُّ صراحة على أنَّه في الحياة الأُخرى ستكون لذائذ وآلام جسمية بجانب الأُخرى الرُّوحية.2

الخاتمة :

رغم محاولات ابن رشد القيمة في كتبه لرأب الصدع العميق الذي تشكل عبر القرون بين الفلسفة والدين، إلا أنها كانت غير كافية للعديد من الاعتبارات، فكان بحق آخر إشراقة فلسفية في تاريخ الحضارة الإسلامية قبيل مغيبها، ويحسن هنا أن نورد اعتذاره الذي ساقه في كتابه " فصل المقال " :

فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الجنس من النظر، أعني التكلم بين الشريعة والحكمة، وأحكام التأويل في الشريعة. ولولا شهرة ذلك عند الناس، وشهرة هذه المسائل التي ذكرناها، لما استجزنا أن نكتب في ذلك حرفًا، ولا أن نعتذر في ذلك لأهل التأويل بعذر؛ لأن شأن هذه المسائل أن تُذْكَرَ في كتب البرهان.3

وهذا الاعتذار الحق، الذي له أسبابه ومبرراته، يشبه اعتذار سلفه ابن طفيل — في مثل حالته — عن مخالفة طريق السلف الصالح في الضنِّ بالحكمة على غير أهلها، بأنه حاول إصلاح الذي أفسده سابقوه الذين صرحوا بآراء مفسدة، وتآويل ضالة تلقفها غير أهلها فعمَّ لذلك ضررُها.3

وبناءً على ما تقدم صار ابن رشد عبارة عن راية تتحارب حولها شعوب وأمم مختلفة في إيطاليا وفرنسا وأسبانيا. وكان للفيلسوف العربي الجليل سمعتان, الأولى سمعة الفضل والعلم والنزاهة وهي عند أساتذة المدارس الذين كانوا يرومون كسر النير القديم. 

والثانية سمعة الكفر وبغض الدين وهي عند العامة والبسطاء والجهلاء. ولم يأت القرن الرابع عشر حتى صارت سلطة ابن رشد في أوروبا فوق كل سلطة وتقدم على ابن سينا بعد أن كان محسوبًا في القرن الثالث عشر دونه. ولما أراد الملك لويس الحادي عشر ملك فرنسا إصلاح التعليم الفلسفي في سنة ١٤٧٣ طلب من أساتذة المدارس «تعليم فلسفة أرسطو وشرح ابن رشد عليها؛ لأنه ثبت أن هذا الشرح صحيح مفيد».1

في الأخير، يمكن ملاحظة تشابه كبير بين أفكار ابن رشد من ناحية، وأفكار سبينوزا من ناحية أخرى، في ضرورة فصل الفلسفة عن الدين بالنظر إلى العامة، وبصفة عامة بين جمهرة مفكري الإسلام من ناحية، وجمهرة مُفكري اليهودية والمسيحية من ناحية أخرى، في ضرورة تأويل بعض ما جاء في الكتب المُقدسة تأويلًا مجازيًّا.3

# # #بحث # #ورقة #بحثية #فلسفة #تأويل #النص #عند #إبن #رشد #

#Research #paper #on #the #philosophy #of #interpretation #of #the #text #according #to #Averroes

المراجع:

    1- فَلسَفَةُ ابنِ رُشْد ، فرح أنطون

    2- بين الدين والفلسفة: في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط، محمد يوسف موسى

    3- ابن رشد الفيلسوف ، محمد يوسف موسى

    4- ابن رشد ، عباس محمود العقاد

    5- التأويل عند فلاسفة المسلمين ابن رشد نموذجاً، فتيحة فاطمي ، محمد بكري

تحميل البحث بصيغة PDF

ورقة بحثية فلسفة تأويل النص عند إبن رشد

يتم التشغيل بواسطة Blogger.