نشأة في سياق ملتبس
في ديسمبر 1971، تأسست منظمة أطباء بلا حدود في باريس على يد أطباء وصحفيين فرنسيين عادوا من إقليم بيافرا النيجيري محمّلين بصدمة المجاعة والموت الجماعي. كانت رسالتهم المُعلنة واضحة في ظاهرها: تقديم المساعدة الطبية أينما وُجد المحتاجون، وتجاوز الحدود السياسية، والجهر بالشهادة على الانتهاكات بدل الصمت الإنساني التقليدي. غير أن ما يستوقف الناظر في هذا التأسيس ليس ما أُعلن، بل ما ظلّ غير مُعلن.
فبيافرا لم تكن مجرد إقليم تعصف به حرب أهلية؛ كانت ورقة جيوسياسية في لعبة نفوذ أوسع. فرنسا في تلك الحقبة كانت تقدم دعمًا سياسيًا وعسكريًا للانفصاليين في إقليم غني بالنفط، في مواجهة حكومة لاغوس المركزية المدعومة من قوى أخرى. وهكذا فإن السؤال الذي يطرحه أي عقل نقدي يأبى الاطمئنان السريع هو: هل كان المؤسسون يتصرفون بدافع إنساني خالص، أم أن المناخ السياسي الفرنسي المتعاطف مع بيافرا كان يشكّل، ولو بطريقة غير مباشرة، الإطار الذي نشأت فيه هذه المنظمة ونضجت أفكارها؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بنعم مطلقة أو لا مطلقة. غير أن مجرد طرحه يكشف عن حقيقة منهجية بالغة الأهمية: لا يمكن قراءة أي مؤسسة بمعزل عن الحقل السياسي الذي وُلدت داخله، ولا يكفي أن نستمع إلى ما يُعلنه المؤسسون عن أنفسهم لنفهم ما أنتجوه فعلًا.
اختبار التاريخ: مواقف تحتاج إلى تفسير
حين نتابع مسيرة المنظمة على امتداد عقود، تظهر مفارقات لا يمكن تجاهلها.
في رواندا عام 1994، تجاوزت المنظمة دورها الطبي وطالبت بتدخل عسكري دولي لوقف الإبادة. كان ذلك قرارًا يمكن أن يجد له مبررًا أخلاقيًا في فداحة ما كان يجري، لكنه في الوقت ذاته مثّل عبورًا واضحًا من حقل الطب إلى حقل السياسة والاستراتيجيا العسكرية. أما في كوسوفو لاحقًا، حيث تدخّل حلف الناتو باسم الإنسانية، فقد أبدت المنظمة تحفظًا واضحًا على فكرة "الحرب الإنسانية" ذاتها.
يمكن لمدافع عن المنظمة أن يقول إن الفارق موضوعي: رواندا كانت إبادة جماعية بسرعة قتل لم يشهدها التاريخ الحديث، بينما كوسوفو كانت نزاعًا مسلحًا تعقّدت فيه المشروعات العسكرية الغربية. وهذا تفسير ممكن. غير أن ثمة تفسيرًا موازيًا لا يقل ممكنية: رواندا في أفريقيا، وكوسوفو في أوروبا. وفي الأولى، يكون التدخل العسكري دعوة إلى إنقاذ الضعفاء؛ أما في الثانية، حيث يكون الاشتباك الجيوسياسي الغربي أكثر حضورًا وتعقيدًا، فتتراجع حدة المطالبة. المعيار المزدوج فرضية محتملة، وإن كانت تحتاج إلى مقارنة منهجية أوسع لإثباتها.
أما في أفغانستان، فقد انتقدت المنظمة خلط المساعدات الإنسانية بالأهداف العسكرية الأمريكية، ورفضت التمويل الأمريكي، وتفاوضت مع طالبان للوصول إلى المرضى. وهذا ما يحتجّ به المدافعون عنها دليلًا على استقلاليتها. لكن الذاكرة التاريخية تُذكّرنا بأن معارضة الموقف الأمريكي في تلك الحقبة بالذات كانت متناغمة تمامًا مع المزاج السياسي الفرنسي، الذي بلغ ذروته في معارضة غزو العراق عام 2003. فهل كانت المنظمة تعارض الإجماع الغربي فعلًا، أم كانت تعبّر عن أحد تياراته الداخلية؟
هنا يكمن الاختبار الحقيقي للاستقلالية: ليس أن تعارض خصم حكومتك، بل أن تعارض الإجماع السائد في بيئتك الأصلية ذاتها، وبشكل متكرر وليس استثنائيًا.
القوة الناعمة أم شيء أعمق منها؟
حين يُقال إن مثل هذه المنظمات تمثّل "قوة ناعمة" للغرب، ينبغي التوقف عند هذا المصطلح وتدقيقه. القوة الناعمة بمفهومها الأصلي عند جوزيف ناي تعني قدرة الدولة على التأثير عبر الجاذبية الثقافية والقيم والشرعية الأخلاقية، لا عبر الإكراه أو الأوامر المباشرة. وما تصفه المنظمات الإنسانية الكبرى أقرب إلى ذلك، لكنه في الوقت ذاته يتجاوزه.
ما يصفه المنتقدون الأكثر دقة هو شيء آخر: منظومة نفوذ تعمل عبر شبكة من الممولين ومراكز الأبحاث والخبراء والإعلاميين والنخب العابرة للحدود، يتحرك كل هؤلاء داخل فضاء فكري ومؤسساتي متقارب، فينتجون أولويات متشابهة ولغة مشتركة لوصف العالم دون أن يتلقى أحدهم أوامر من أحد. هذا ما يمكن تسميته بالتوافق البنيوي، وهو آلية نفوذ أكثر رسوخًا وأصعب كشفًا من التوجيه المباشر، لأنه يعمل من الداخل لا من الخارج.
ففي هذا الإطار، المنظمة الإنسانية لا تنتظر مكالمة من وزير خارجية لتحديد أولوياتها. لكن قادتها تشكّلوا في جامعات غربية بعينها، ويقرؤون نفس الصحف، ويتحدثون مع نفس الخبراء، ويتقدمون للحصول على تمويل من نفس الجهات المانحة. وهذا كله يُنتج تشابهًا في الرؤية أعمق من أي توجيه إداري. القضايا التي تُختار، والكلمات التي تُستخدم لوصفها، والمواقف التي تُكتسب الشرعية الأخلاقية لاتخاذها، كل ذلك لا يُحدَّد في اجتماع سري، بل يتبلور داخل ثقافة مؤسسية تحمل أسئلة وإجابات الحقل الفكري الغربي معها أينما ذهبت.
الكونية المزعومة وما تخفيه
وهنا تتجلى نقطة الضعف الأعمق في النموذج الإنساني الغربي، وهي ليست التبعية المباشرة لأي حكومة، بل الادعاء بالكونية مع التشبع الكامل بالخصوصية.
منظمة أطباء بلا حدود تتحدث بلغة حقوق الإنسان العالمية، وتمنح الأولوية للفرد على الجماعة والدولة، وترى في الشهادة العلنية على الانتهاكات واجبًا أخلاقيًا لا يقبل المساومة. وتُقدَّم هذه القيم على أنها إنسانية بامتياز، أي أنها تتجاوز الثقافات والتواريخ وتخاطب شيئًا كونيًا في الإنسان. غير أن كل واحدة من هذه القيم هي في حقيقتها نتاج تاريخ سياسي وفلسفي غربي محدد: تاريخ الأنوار الفرنسية، والليبرالية الأنغلوسكسونية، وحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية، ومفهوم المجتمع المدني الأوروبي.
حين تصل هذه المنظمة إلى مجتمعات تُنظّم علاقاتها بمرجعيات مختلفة، مجتمعات تقدّم الجماعة على الفرد، أو تفهم الشرعية السياسية بطريقة مغايرة، أو ترى في الحياد الصامت أحيانًا حكمة وليس تواطؤًا، فإن هذا الاحتكاك النقدي بين النموذجين نادرًا ما يُسمَّى باسمه. إذ يُقدَّم تصرف المنظمة دائمًا باعتباره الخيار الإنساني الموضوعي، لا باعتباره تطبيقًا لرؤية ثقافية بعينها.
وهذا ما يجعل الملف السوري نموذجًا كاشفًا بامتياز. فحين يتهم كل طرف المنظمات الإنسانية بالانحياز، لا يُبرهن ذلك بالضرورة على انحيازها الفعلي لطرف. لكنه يكشف أن طرق الوصول إلى مناطق بعينها، والجهات التي تسمح بالدخول، ومصادر المعلومات التي تُبنى عليها التقارير، كل ذلك ليس محايدًا في سياق نزاع دولي معقد تتقاطع فيه مصالح متعددة. والحياد المُعلَن لا يعني غياب البنية التي تجعل الحياد مستحيلًا في الواقع.
