في التشخيص الخاطئ
ثمة خطأ منهجي عميق يتكرر في خطاب شريحة واسعة من نخبة المعارضة الجزائرية، لا سيما تلك المقيمة خارج البلاد، وهو خطأ لا يتعلق بالضرورة بالنوايا ولا بصدق الانتماء الوطني، بل يتعلقفي الأساس بأداة التحليل ذاتها. فهذه المعارضة لا تزال تنظر إلى النظام الجزائري من خلال عدسة الستينيات والسبعينيات، أي من خلال نموذج الحزب الواحد ذي الطابع الأيديولوجي الصارم، المتمحور حول خطاب الثورة والاشتراكية وأسطرة المشروعية التاريخية. وتتجاهل أو يغيب عنها أن ذلك الجيل من كوادر النظام قد تبدّل، وأن الذي يدير الدولة العميقة اليوم جيل مختلف كلياً في تكوينه ومنطقه ودوافعه وأدواته.
هذا الجيل الجديد من التكنوقراط هو في معظمه من خريجي مدارس التكوين المتخصصة، سواء الوطنية أو الأجنبية، وعلاقته بالسلطة ليست علاقة عقيدة بل علاقة مؤسسة، وخطابه ليس خطاب الثورة والأمجاد بل خطاب التسيير والاستقرار وإدارة المخاطر. وهؤلاء يديرون الدولة في شقيها السياسي والأمني العسكري بمنطق برغماتي بارد لا يُقرأ بالمفاتيح الأيديولوجية القديمة. فالمعارضة التي لا تزال تُشهر سلاحها في مواجهة شبح أيديولوجي من زمن مضى تجد نفسها تخوض معركة لا وجود لها، بينما تزحزحت المعركة الحقيقية إلى أبعاد أخرى.
في استيراد النموذج دون شروطه
لا تكتفي المعارضة الجزائرية في الخارج بالتشخيص الخاطئ للنظام، بل تُضيف إليه وصفة علاجية مستوردة بلا تمحيص. فالتعددية الحزبية والتداول على السلطة على النمط الغربي، وتحديداً الفرنسي، باتا يمثلان أفق المشروع السياسي لهذه المعارضة. والحال أن هذا الاستيراد يُهمل سؤالاً جوهرياً: ما الشروط البنيوية التي تجعل هذا النموذج ممكناً في سياقه الأصلي؟
التعددية الحزبية الغربية ليست قانوناً انتخابياً يُسنّ ثم يُطبّق، بل هي ناتج تراكم تاريخي طويل يشمل ثورات برجوازية أسست لاستقلالية رأس المال عن الدولة، وطبقة وسطى راسخة ذات مصالح مستقلة تجعل من السياسة ميداناً للتفاوض الحقيقي، ونقابات مستقلة وصحافة حرة ومراكز تفكير وشبكات نفوذ متشابكة. الحزب في الغرب لا يقوم على شخصية زعيمه بل على هذه الشبكة المعقدة من المصالح والمؤسسات التي تمنحه عمقاً تاريخياً وسنداً مالياً وقاعدة اجتماعية عضوية.
في المقابل، الحزب الجزائري المعارض وُلد في أغلب الأحيان ولادة قيصرية مشوهة، إما في خضم أزمة وجودية كأحزاب التسعينيات التي وُلدت في ظل العشرية السوداء، وإما كردة فعل انفعالية على حدث سياسي طارئ لا كمشروع تأسيسي مدروس. وهذه الولادة المشوهة تفسر الضعف البنيوي اللاحق، إذ لا عمق اجتماعي يُرسّخ الحزب في المجتمع، ولا موارد مستقلة تصون استقلاليته عن النظام، ولا تراكم برنامجي يُميّزه عن سواه.
في خرافة التداول وحقيقة الدولة العميقة
المعارض الجزائري المقيم في فرنسا يرى بأم عينيه تداولاً حقيقياً على الحكم، حزب يخسر فيغادر السلطة، وآخر يفوز فيتسلمها، والدولة تستمر ومؤسساتها تشتغل بسلاسة مشهودة. ويستخلص من هذا المشهد نتيجة تبدو بديهية في سياقها وهي أن هذا النموذج هو الحل. غير أن هذا الاستخلاص يرتكز على قراءة للظاهرة دون الاستفسار عن جوهرها.
ما الذي يجعل هذا التداول ممكناً في الغرب؟ الجواب ليس الانتخابات في حد ذاتها، بل الفصل البنيوي بين الدولة والحكم، أي أن الدولة العميقة هناك محايدة مؤسسياً والأحزاب تتناوب على السطح فوقها دون أن تمسّها. وهذه الدولة العميقة الغربية لا تغيب بل تختبئ خلف واجهة تعددية منمّقة. خريجو المدارس الكبرى كالإينا وبولوتكنيك يشكلون النواة الصلبة التي تتبدل فيها الوجوه لكن المنطق يبقى، والقرارات الكبرى في الملفات الاستراتيجية تُصنع في دوائر ضيقة لا في البرلمانات، والأحزاب المتداولة تتفق ضمنياً على سقف لا يُتجاوز في المسائل الجوهرية.
الفارق بين النظامين إذن ليس في وجود الدولة العميقة أو غيابها، بل في درجة التعتيم والتجميل. الدولة العميقة الجزائرية تعمل بنفس المنطق لكن بشكل مكشوف وغير مُجمَّل، في حين أن نظيرتها الفرنسية تؤدي وظيفتها محاطة بطبقات من الخطاب الديمقراطي والمؤسسات الشكلية التي تجعلها غير مرئية للعين العادية. وهذا يعني أن المعارض الجزائري إما أن يكون يعيش وهم النموذج الغربي بحسن نية ساذج، وإما أنه يعلم لكنه يوظف هذا الخطاب أداةً للضغط لا مشروعاً حقيقياً للتغيير، وفي الحالتين لا يقترب من فهم طبيعة النظام الذي يواجهه.
في احتكار الكفاءة
غير أن أعمق إشكالية تعانيها المعارضة الجزائرية هي إشكالية رأس المال البشري. فبينما يستثمر النظام باستمرار وبشكل ممنهج في استقطاب أفضل الكفاءات وتكوينها عبر انتقاء دقيق يبدأ من المدارس العليا والمعاهد المتخصصة، ويحفزها مادياً ويضمن لها مساراً مهنياً واضحاً، تظل المعارضة أسيرة منطق التجنيد العاطفي أو القبلي أو المناطقي. وهذا التفاوت الفادح في الكفاءة ليس مجرد ضعف تنظيمي بل هو معادلة غير متكافئة يُغذيها النظام بوعي تام.
ثمة ما يشبه القانون السوسيولوجي في هذه الحالة: الكفاءات الجزائرية الحقيقية أمامها ثلاثة مسارات، إما الالتحاق بمنظومة الدولة التي تعرض الموارد والنفوذ والحماية، وإما الهجرة إلى حيث تُقدَّر الكفاءة وتُكافأ، وإما الانصراف إلى القطاع الخاص بعيداً عن السياسة. المعارضة لا تمثل خياراً جاذباً لأي كفاءة تحترم مسارها المهني، لأنها لا توفر الموارد ولا الأفق ولا الحماية.
والنتيجة الطبيعية لثلاثة عقود من هذا الواقع هي ما نراه اليوم، برلمان تملأه وجوه تفضح بحضورها غياب أي مشروع حزبي جاد، نواب لا يُحسنون صياغة سؤال شفهي ناهيك عن التشريع، وهذا لا يُحرج المعارضة وحدها بل يخدم النظام في العمق إذ يُقدّم نفسه ضمنياً الجهةَ الوحيدة القادرة على إدارة الدولة ورعاية مصالح المجتمع.
وهنا تظهر الحلقة المفرغة في كامل وضوحها. المعارضة ضعيفة لأنها لا تجذب الكفاءات، ولا تجذب الكفاءات لأنها ضعيفة، والنظام يُغذي هذه الحلقة بوعي لأن استمرارها يضمن له احتكار الكفاءة كما يحتكر الشرعية والموارد. وحين يُضاف إلى ذلك كله ثلاثة عقود من الأداء الحزبي الهزيل في الفضاء العام، يصبح من المشروع طرح السؤال الأكثر إزعاجاً: حتى لو أُتيح للمعارضة يوماً ما الوصول إلى السلطة، هل تجد في صفوفها من يُدير الدولة؟
خاتمة: سؤال التغيير الحقيقي
تقودنا هذه القراءة إلى خلاصة قد تبدو مرّة لكنها ضرورية. المعارضة الجزائرية في الخارج ليست مشروع تغيير سياسي بالمعنى الكامل للكلمة، بل هي في أحسن أحوالها خطاب احتجاجي مُصدَّر للخارج، وفي أسوئها وظيفة مُكمِّلة للنظام تمنحه شرعية الاحتجاج دون أن تهدد بنيته الفعلية. وهذا ليس حكماً على النوايا بل تشخيصاً للأثر الموضوعي.
السؤال الصحيح الذي ينبغي لهذه المعارضة أن تبدأ منه ليس كيف نصل إلى التداول على السلطة، بل ما الذي يجب أن يتغير بنيوياً حتى يصبح التداول ممكناً أصلاً. وهذا السؤال يستلزم قبل كل شيء قراءة واقعية للنظام كما هو لا كما كان، ومراجعة نقدية شجاعة لأدوات التحليل الموروثة، وإدراكاً صريحاً بأن استيراد النماذج دون توطين شروطها ليس مشروعاً للتغيير بل نوع آخر من الوهم.
