وهم النموذج — كيف نظر الجزائريون إلى أوروبا بعيون مقتطعة من سياقها

 ثمة ظاهرة فارقة في تاريخ الوعي الجمعي الجزائري،  تبدو كتحوّل بطيء وصامت تسلّل عبر عقدين من الزمن ليُعيد تشكيل الطريقة التي ينظر بها جيل كامل إلى ذاته وإلى العالم من حوله. هي اللحظة التي توقّف فيها الشاب الجزائري عن رؤية فرنسا كرمز للاستعمار المستبد وبدأ يراها كنموذج للرفاه. وهذا التحوّل، بكل ما ينطوي عليه من تعقيد وتناقض، لا يمكن فهمه إن عُزل عن سياقه الاقتصادي والتاريخي والنفسي الأعمق.

في أعقاب الاستقلال، كانت الدولة الجزائرية تحكم وعي مواطنيها بخطاب راسخ قائم على ثنائية الاستعمار والتحرر. فرنسا في هذا الخطاب كانت الخصم لا القدوة، والاشتراكية كانت الطريق الوحيد نحو السيادة والكرامة. غير أن هذا الخطاب كان يتآكل بهدوء من الداخل، إذ كانت الفجوة تتسع يوماً بعد يوم بين وعود الدولة ومرارة الواقع المعاش. لم تكن المشكلة في غياب الموارد وحسب، بل في عجز النموذج الاقتصادي نفسه عن إنتاج مستقبل ملموس لجيل وُلد بعد الثورة ولم يحمل جروحها بالعمق ذاته.

حين تآكل هذا النموذج، لم يترك دون بديل. كان البديل حاضراً في المخيال اليومي في صورة المهاجر العائد من فرنسا بسيارته وملابسه وحكاياته. لم يكن هذا الرجل يحمل تقريراً اقتصادياً عن مستوى البطالة في ضواحي باريس ولا عن عنصرية سوق العمل الفرنسي ولا عن الثمن الاجتماعي الباهظ الذي دفعه ليصل إلى ما وصل إليه. كان يحمل صورة مُصفّاة يُسقط عليها الناس أحلامهم، وهذه الصورة المُتخيَّلة كانت أقوى في تشكيل الوعي من أي واقع موثّق. إضافة إلى ذلك كان التلفزيون الفرنسي يُستقبل في شمال الجزائر ليُقدّم يومياً مشهداً معاشاً لحياة أخرى دون أن يُظهر ما يقع خلف الكاميرا من هشاشة وأزمات.

لكن الضربة الكبرى كانت في أواخر الثمانينيات حين جاءت أزمة أسعار النفط عام 1986 لتكشف هشاشة الاقتصاد الجزائري بعريه الكامل. حينها تحوّل الإحباط الاقتصادي المتراكم إلى سخط شعبي انفجر في أكتوبر 1988. والملاحظة الجوهرية هنا أن الشارع الجزائري لم يخرج ليطالب بالتعددية الحزبية ولا بالفصل بين السلطات، بل خرج يطالب بالخبز والمستقبل والكرامة اليومية. غير أن النخب السياسية والمثقفين ترجموا هذا الغضب المعاشي إلى لغة سياسية، إما لأن اللغة السياسية أسهل في التأطير والتنظيم، أو لأن بعضهم كان يحمل مشروعاً ليبرالياً أو اسلاميا جاهزاً كان ينتظر لحظة مثل هذه ليطلقه. والنتيجة المفارقة أن الشباب حصل على التعددية الحزبية ولم يحصل على الخبز، مما فتح الباب أمام إحباط مضاعف أعمق من الأول.

في هذا السياق بالذات جاء انهيار المعسكر الاشتراكي ليضع ختمه الأخير على تحوّل الوعي. سقوط جدار برلين عام 1989 ثم تفكك الاتحاد السوفياتي لم يكن مجرد حدث في الجغرافيا السياسية البعيدة، بل كان في المخيال الجمعي الجزائري حكماً نهائياً على تجربة كانت الجزائر تعتبر نفسها امتداداً لها. الفشل الاشتراكي كان مشهدياً ومُذِلاً وتلفزيونياً، في حين أن أزمات الغرب كانت صامتة ومُدارة ومُؤطَّرة بخطاب "الإصلاح" لا "الانهيار". وهكذا فاز الغرب في المخيال العالمي لا لأنه أثبت تفوقه، بل لأن منافسه سقط أمام الكاميرات. وهذا الفوز المجاني منح النموذج الغربي هالة أخلاقية وتاريخية لم يكسبها بإنجازاته الفعلية بل ورثها من إخفاق الآخر. أما فرنسا التي كانت هي نفسها في نفس تلك الفترة تعاني بطالة تجاوزت العشرة بالمئة، وتمر بأزمة إعادة هيكلة صناعية مؤلمة، وكان يسارها يتراجع عن وعوده الاشتراكية في ما عُرف بـ"انعطافة التقشف" عام 1983، فإن أزمتها بقيت مخفية خلف هذه الهالة.

غير أن الغفلة الأعمق في وعي ذلك الجيل لم تكن في رؤية فرنسا بعيون وردية، بل في عجزه عن رؤية الشروط التاريخية التي جعلت هذا الرفاه الأوروبي ممكناً أصلاً. فالرفاه الأوروبي لم يكن ثمرة طبيعية للديمقراطية والسوق الحرة وحسب، بل كان في جوهره نتاج مشروع جيوسياسي أمريكي عملاق. مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية ضخّ في أوروبا المدمرة ثروات هائلة لإعادة بنائها، لا من باب الكرم الأمريكي البحت، بل لأن أمريكا كانت تبني خطاً دفاعياً اقتصادياً واجتماعياً في مواجهة المد الشيوعي. ودولة الرفاه الأوروبية بكل ما تنطوي عليه من ضمان صحي واجتماعي وتعليمي كانت في جوهرها استجابة استراتيجية لإغراء الشيوعية وإبعاد الطبقات الشعبية عنها. يُضاف إلى ذلك أن المظلة الأمنية لحلف الناتو أعفت الدول الأوروبية من تحمّل نفقات دفاعية حقيقية لعقود طويلة، فتحررت ميزانياتها للإنفاق على البناء الاجتماعي والتنموي. بعبارة أخرى، فرنسا لم تبنِ رفاهها رغم محدودية ميزانيتها الدفاعية، بل بنته جزئياً بسبب هذه المحدودية التي أتاحتها لها أمريكا.

هذه المعادلة الكاملة غابت كلياً عن وعي جيل كان يتطلع إلى فرنسا كنموذج، ويطالب بنسخه دون أن يسأل عن الشروط الجيوسياسية التي جعلت الأصل ممكناً. وهنا يكمن الخلل البنيوي في الخطاب السياسي لذلك الجيل: أنه بنى مطالبه على معادلة منقوصة تقول إن الديمقراطية زائد السوق الحرة يساوي رفاهاً، متجاهلاً أن هذه المعادلة لم تعمل في أوروبا إلا في ظل شروط تاريخية استثنائية لن تتكرر.

والأكثر إثارة للتأمل أن هذا الوهم لا يزال حياً يتنفس في خطاب المعارضة الجزائرية في الخارج حتى اليوم. إذ يمكن للمرء أن يتابع أصوات هذا الجيل وامتداداته الفكرية وهي تنتقد الإنفاق الدفاعي الجزائري مقارنةً بدول أوروبية، وتطالب بنموذج تنموي على المثال الغربي، كأن التنمية مشروع بسيط ما أن تتوفر فيه الإرادة السياسية والحرية حتى ينتج الرفاه من تلقاء نفسه. في هذا الخطاب تجاهل شبه متعمد لحقيقة أن الجزائر تعمل في محيط جيوسياسي بالغ التعقيد والهشاشة، وأنها لا تملك ترف نزع سلاحها لأنها لا تحظى بمظلة أمنية توفرها لها قوة خارجية. المقارنة بين الإنفاق الدفاعي الجزائري وإنفاق دولة أوروبية عضو في الناتو هي مقارنة ظالمة بنيوياً، وتقديمها كمعيار للكفاءة الحكومية هو إما جهل بالسياق أو تجاهل مقصود له.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو لماذا يستمر هذا التجاهل؟ الإجابة الأكثر إزعاجاً هي أن هذا التجاهل ليس غفلة فكرية بل ضرورة نفسية. فالمعارض الجزائري في الخارج يعيش تناقضاً وجودياً عميقاً: هو يستفيد يومياً من المظلة الأمنية والاقتصادية الغربية، ويعيش في كنف الدولة التي يتخذها نموذجاً، ثم يطالب بلده بنتائج هذه المنظومة دون الاعتراف بالشروط التي أنتجتها. أي اعتراف صريح بهذا التناقض سيُفكك شرعية موقفه وسيُجبره على إعادة بناء خطابه من الأساس، وهو ثمن باهظ لا يبدو أن كثيرين مستعدون لدفعه.

الأخطر في هذا كله أن هذا الخطاب حين يُصدَّر إلى داخل الجزائر ويُستهلك من الأجيال الشابة فإنه يُنتج إحباطاً غير مبرر وقياساً زائفاً. يجعل الشاب يقيس تجربة بلده بمسطرة لا تنطبق عليها، فيصل إلى يأس من مؤسساته قبل أن يفهم السياق الذي تعمل فيه. ويتحوّل النقد المشروع الذي يمكن أن يكون أداة إصلاح حقيقية إلى أداة تحطيم عاطفية لا تُنتج غير المزيد من العدمية السياسية.

النقد الحقيقي يستوجب أولاً أن تفهم ما تنتقده في سياقه الكامل، لأن النقد المقتطع من سياقه لا يُنير الطريق بل يُضلّل عن سلوكها. وأن تطالب بنموذج دون أن تفهم الشروط التي جعلته ممكناً هو ليس طموحاً سياسياً بل هو وصفة لإحباط دائم يتجدد مع كل جيل.


مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات