التبت وهوليوود ووهم الحياد: كيف تمارس السلطة حضورها داخل الفن الحر؟

 عندما يكشف فيلم أكثر مما يقصده صُنّاعه

في كثير من الأحيان لا تكمن أهمية الأعمال الفنية فيما ترويه فقط، بل فيما تكشفه عن العصر الذي أنتجها. فالفيلم ليس مجرد قصة وشخصيات ومشاهد؛ إنه أيضًا وثيقة ثقافية تحمل آثار البيئة السياسية والفكرية التي وُلدت داخلها.

قد يبدو فيلم «بوذا الصغير» للوهلة الأولى عملًا روحانيًا يتناول البوذية والتناسخ والبحث عن المعنى، لكن مشاهدته بعد عقود من إنتاجه تفتح بابًا مختلفًا للتأمل. فخلف السرد الروحي تظهر إشارات سياسية واضحة، أبرزها تبني توصيف أحداث التبت سنة 1959 باعتبارها «احتلالًا» أو «غزوًا»، وهو توصيف لا يمثل حقيقة متفقًا عليها عالميًا بقدر ما يعكس رواية سياسية محددة في نزاع تاريخي طويل.

هنا يتحول الفيلم من مجرد عمل فني إلى نافذة لفهم سؤال أعمق: هل يمكن للفن أن يكون محايدًا حقًا؟ أم أن السلطة، بأشكالها المختلفة، تظل حاضرة دائمًا حتى داخل أكثر البيئات ادعاءً للحرية؟

أسطورة الفن المنفصل عن السياسة

من أكثر الأفكار رسوخًا في الوعي الحديث الاعتقاد بأن الفن الحقيقي يعيش خارج السياسة، وأن المبدع الحر يقف فوق الصراعات والأيديولوجيات. غير أن التاريخ الثقافي لا يقدم أدلة كثيرة تدعم هذه الصورة المثالية.

الفن لم يكن يومًا معزولًا عن السلطة. فالمعابد القديمة، والكنائس في أوروبا، والبلاطات الملكية، والدول الحديثة، والحركات الثورية، كلها استخدمت الفن بوصفه أداة لصياغة الوعي الجماعي وإعادة إنتاج رؤيتها للعالم.

الاختلاف لم يكن في وجود التأثير السياسي، بل في شكله. ففي بعض المجتمعات تأتي السلطة إلى الفنان بوجهها المباشر: أوامر، رقابة، ومنع. أما في مجتمعات أخرى فتعمل السلطة بطريقة أكثر تعقيدًا ونعومة، بحيث يصبح تأثيرها أقل ظهورًا وأكثر فاعلية في الوقت نفسه.

من الرقابة إلى الهيمنة

تتميز الأنظمة الصريحة بأن حدود المسموح والممنوع فيها واضحة. يعرف الكاتب ما لا يجوز قوله، ويعرف المخرج أين تقف الخطوط الحمراء.

أما في المجتمعات الليبرالية، فإن العلاقة أكثر التباسًا. فالفنان لا يواجه بالضرورة رقيبًا يجلس خلف مكتبه ليحذف المشاهد أو يمنع النصوص، لكنه يعمل داخل منظومة كاملة تحدد بشكل غير مباشر ما الذي يستحق التمويل، وما الذي يمكن تسويقه، وما الذي سيحصل على التغطية الإعلامية، وما الذي سيُترك على الهامش.

هنا لا تعمل السلطة عبر المنع بقدر ما تعمل عبر الانتقاء.

فالعمل الفني لا يحتاج إلى أن يُمنع حتى يختفي. يكفي أحيانًا ألا يجد منتجًا، أو موزعًا، أو منصة تعرضه، أو جمهورًا جرى تشكيل ذائقته مسبقًا بطريقة تجعله غير مهتم به.

وهكذا تنتقل السلطة من مستوى القهر المباشر إلى مستوى تشكيل المجال الذي تُنتج داخله الأفكار نفسها.

التبت نموذجًا: عندما تتبنى الثقافة رواية سياسية

إن موجة الأفلام الغربية التي تناولت التبت خلال التسعينيات لم تكن مجرد صدفة فنية. فقد جاءت في لحظة تاريخية خاصة تزامنت مع نهاية الحرب الباردة وصعود خطاب حقوق الإنسان وبدء التحول التدريجي للصين إلى منافس استراتيجي للغرب.

في تلك البيئة الثقافية أصبحت التبت رمزًا مثاليًا: شعب روحاني، وثقافة قديمة، وقوة عظمى صاعدة تُتهم بقمع الهوية المحلية.

لم يكن من الضروري أن تجلس الحكومات الغربية لتخطط لإنتاج أفلام بعينها. فالمزاج الثقافي العام كان كافيًا لدفع الفنانين والمنتجين والمؤسسات الإعلامية إلى تبني سردية معينة وتكرارها حتى بدت للكثيرين وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.

المثير للاهتمام أن اختفاء التبت من العناوين الإعلامية لاحقًا لم يكن نتيجة حل القضية، بل نتيجة تغير أولويات النظام الإعلامي نفسه. فالقضية التي كانت تُقدم يومًا بوصفها إحدى أهم القضايا الأخلاقية في العالم تراجعت فجأة إلى الهامش عندما ظهرت ملفات أكثر إلحاحًا أو أكثر فائدة ضمن الصراعات الجيوسياسية الجديدة.

الحرية بوصفها مجالًا مسيجًا

هنا تظهر المفارقة الكبرى.

فالحرية في المجتمعات الحديثة ليست غيابًا للحدود، بل غالبًا ما تكون إدارة مختلفة للحدود. يستطيع الفرد أن يتحرك داخل مساحة واسعة نسبيًا، لكنه يظل يتحرك داخل فضاء تحدده شروط اقتصادية وثقافية وسياسية معينة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المجتمعات الليبرالية حرة أو غير حرة، بل ما إذا كان الأفراد يدركون طبيعة القيود التي تحيط بهم.

فالقيود الصريحة يسهل رؤيتها ومقاومتها، أما القيود الناعمة فتكمن خطورتها في أنها تقدم نفسها باعتبارها تعبيرًا طبيعيًا عن العقلانية أو الأخلاق أو الذوق العام.

عندما تنجح السلطة في جعل اختياراتها تبدو طبيعية، فإنها لم تعد بحاجة إلى فرضها بالقوة.

لماذا تبدو بعض القضايا أكثر شرعية من غيرها؟

من الملاحظ أن بعض الموضوعات تحظى بحضور كثيف في السينما والإعلام، بينما تبقى موضوعات أخرى أقل ظهورًا رغم تشابهها من حيث المبدأ.

هذه الظاهرة لا تفسرها المؤامرات البسيطة بقدر ما يفسرها مفهوم أعمق: وجود هرم غير معلن للأولويات الثقافية.

فكل مجتمع يمتلك سرديات مهيمنة تمنحه تصورًا معينًا عن الخير والشر، والضحية والجلاد، والمشروع وغير المشروع. ومع مرور الوقت تتحول هذه السرديات إلى جزء من الحس العام نفسه، بحيث تبدو بديهية ولا تحتاج إلى تبرير.

في هذه اللحظة لا تعود السلطة بحاجة إلى إصدار الأوامر. فالمجتمع الثقافي بأكمله يبدأ في إعادة إنتاج الرواية السائدة بصورة تلقائية.

ما بعد وهم الحياد

النتيجة التي يقودنا إليها هذا التأمل ليست أن الفن مجرد دعاية، ولا أن كل عمل إبداعي فاقد للاستقلالية. فمثل هذا الاستنتاج سيكون تبسيطًا مفرطًا.

لكن من الصعب أيضًا الدفاع عن فكرة الفن المحايد بالكامل.

كل عمل فني يحمل آثار زمنه، وقيم بيئته، وصراعات مجتمعه. وحتى أكثر الأعمال ادعاءً للكونية والإنسانية تعكس بطريقة أو بأخرى رؤية معينة للعالم.

لهذا ربما يكون الوعي النقدي أهم من البحث عن الحياد المطلق. فالمشكلة ليست أن يمتلك الفنان أو الفيلم موقفًا، بل أن يُقدَّم هذا الموقف على أنه حقيقة بديهية لا تحمل أي أثر للأيديولوجيا أو السلطة.

إن أخطر أشكال النفوذ ليست تلك التي تفرض نفسها بالقوة، بل تلك التي تنجح في إقناع الناس بأنها غير موجودة أصلًا.

ومن هنا يصبح السؤال الفلسفي الأكثر أهمية: ليست المسألة ما إذا كانت السلطة حاضرة داخل الفن، بل كيف تحضر، وكيف تخفي حضورها، وكيف تجعل رؤيتها للعالم تبدو وكأنها مجرد انعكاس طبيعي للحقيقة نفسها.

مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات