محاولة استشراف: المستقبل و تحدي البقاء

 حمى التسعينيات ومن لم يٌشفَ منها بعد

سبق أن اشرنا في تحليلنا الى كون المعارضة الجزائرية، لا سيما تلك المقيمة في الخارج، لا تزال تعيش في زمن آخر. زمن سقوط جدار برلين، وصرخة فوكوياما بنهاية التاريخ، وموجة التحول الديمقراطي التي اجتاحت أوروبا الشرقية وأسكرت النخب في كل مكان بوهم أن الديمقراطية الليبرالية هي المحطة الأخيرة للبشرية. تشكّل وعي هذه المعارضة في تلك الحقبة الاستثنائية، فأصبحت أسيرتها، تستنشق هواءها القديم في عالم تبدّلت رياحه كلياً.

لكن الأمر لا يقتصر على الحنين الأيديولوجي. المشكلة الأعمق أن هذه المعارضة فقدت فهم التحولات الجوهرية التي أعادت رسم خارطة الشرعية السياسية عالمياً خلال العقدين الأخيرين. فمنذ حروب العراق وليبيا وسوريا، وأزمات الثقة الداخلية في الغرب، وصعود اليمين المتطرف في عقر داره، لم تعد الديمقراطية الليبرالية ذلك النموذج البرّاق الذي يُصدَّر بثقة إلى الشعوب الأخرى. بل باتت في موضع الدفاع عن نفسها قبل أن تدافع عن مبادئها.

الهم التنموي قبل الهم السياسي

الحقيقة التي كثيراً ما تُغفلها قراءات النخب، هي أن الشعب حين انتفض في أكتوبر 1988 لم يكن يطالب في جوهره بالتعددية الحزبية أو بانتخابات نزيهة. كان يطالب بالخبز والكرامة والمسكن والعمل. غير أن النخب، بفريقيها العلماني والإسلامي، سارعت إلى تأطير هذه الطاقة الاحتجاجية الخام في قوالب أيديولوجية جاهزة، فتحوّل الجوع إلى ديمقراطية، وتحوّلت البطالة إلى مطلب دولة إسلامية، وضاعت الحاجة الحقيقية في ضجيج الشعارات.

هذا النمط عاد ليتكرر بصورة أوضح في حراك 2019، فسارعت المعارضة في الخارج مرة أخرى إلى محاولة احتوائه في إطار الانتقال الديمقراطي الكلاسيكي، فبقيت تعيد اجترار خطاب عتيق بلغة بالية.

تراجع الهيمنة وانحسار البريق

الديمقراطية الليبرالية لم تنتشر عبر العالم بقوة إقناعها الفلسفي وحده، بل بقوة أمريكا بوصفها ضامنة لها وسمسارة لقيمها. ومن ثَمّ، فحين تتراجع القوة يتراجع معها الإطار القيمي الذي تحمله. وهذا ما نشهده اليوم بوضوح متصاعد، من آسيا إلى أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، حيث باتت الدول تتعامل مع المنظومة الغربية كخيار لا كقدر، وكأداة ضغط لا كحقيقة كونية.

المعارضة الجزائرية تقف في هذه اللحظة التاريخية أمام معضلة وجودية حقيقية. هويتها بُنيت في مجملها على مرجعيات خارجية، القيم الغربية، المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، الضغط الأوروبي، المنابر الإعلامية الغربية. وحين تتآكل هذه المرجعيات تتآكل معها شرعيتها أمام المجتمع الجزائري قبل أن تتآكل أمام النظام. فكيف يتحدث المرء عن الديمقراطية بالمرجعية الغربية في عالم يرى فيه الغرب يعاني أزماته بشكل علني ومُحرج؟

النظام والتحول الأسهل 

في المقابل، يبدو النظام الجزائري في وضع أكثر انسجاماً مع اتجاهات التاريخ الجديدة. بنيته التي طالما وصفها منتقدوه بالاستبداد وإقصاء أصبحت تجد لنفسها شرعية مستقاة من نماذج صاعدة، في مقدمتها النموذج الصيني الذي أثبت أن التنمية والاستقرار يمكن أن يسيرا معاً دون ديمقراطية على الشاكلة الغربية.

والنظام الجزائري في بنيته العميقة يحمل ملامح مشابهة لهذا النموذج أكثر مما يُعترف به عادةً. المؤسسة العسكرية تعمل بمنطق يشبه منطق الحزب الواحد المتماسك، تكوين نخبوي انتقائي، ترقٍّ وفق معايير الولاء والكفاءة معاً، وقدرة على تجديد قياداتها دون اضطراب ظاهر للرأي العام. وما حدث عام 2019 حين أزاح النظام بوتفليقة يكشف هذه الآلية الداخلية للمحاسبة التي تعمل في الكواليس بعيداً عن صناديق الاقتراع.

يُضاف إلى ذلك أن النظام يسعى بوضوح إلى تحويل معيار شرعيته من الشرعية السياسية إلى الشرعية التنموية. فالخطط التنموية منذ مجيء تبون، والانفتاح على الامتداد الأفريقي، واستثمار الثروات الطبيعية الهائلة، تعكس وعياً بأن ميدان المنافسة الحقيقية لم يعد الانتخابات بل الإنجاز. وهذا تحديداً هو الملعب الذي يفضل النظام القائم اللعب فيه.

مصير المعارضة بين خيارين شاحبين

استشراف مستقبل المعارضة الجزائرية في ضوء كل هذه التحولات يرسم مشهداً قاسياً. معارضة الخارج تواجه تهديداً مزدوجاً، فمن جهة يتآكل الخطاب الذي بنت عليه وجودها مع تراجع الهيمنة الأمريكية وانكشاف الأزمات الداخلية الغربية، ومن جهة أخرى يهددها صعود التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا التي تجعل وجود الجاليات المهاجرة نفسه موضع ضغط وترهيب، فتجد نفسها في مواجهة خطر وجودي يضرب عقيدتها السياسية في صميمها.

أما معارضة الداخل التي فقدت عمقها المجتمعي تدريجياً، فتتجه في أحسن الأحوال إلى أن تصبح نخبة أقلية، أقصى ما تتمناه أن يستوعبها النظام في بنيته ويتبناها داخله. وحتى هذا الاستيعاب إن حدث فلن يسجَل نصراً بل استسلاما وإعلانا لفشل مشروع كامل.

أمام هذا الواقع ثمة سيناريوهان رئيسيان. إما الانقراض الهادئ حيث تتحول المعارضة إلى هامش أكاديمي وحقوقي يتكلم في فضاء لا يسمعه إلا بقايا الجمهور الهرم. وإما التحول البراغماتي حيث تتخلى عن الخطاب الديمقراطي وتعيد تأطير نفسها حول مطالب تنموية واجتماعية، لكنها بذلك تدخل ملعب النظام وتلعب بقواعده، فتفقد تمايزها وتفقد ذلك الصوت المغاير الذي كان يُذكّر النظام بأنه مهدد بمشروع مختلف مدعوم من الخارج.

الشعب والعودة إلى البنى العميقة

لكن ثمة بُعداً أعمق يتجاوز النخب والمعارضة والنظام، وهو ما يجري في أعماق المجتمع الجزائري نفسه. الهوس السياسي الذي أصاب هذا المجتمع منذ أزمات الثمانينيات لم يكن طبعاً راسخاً بل كان على الأرجح ردّة فعل على صدمات متتالية. ومع تبدّل الأجيال وتغيّر المناخ العالمي، يبدو أن المجتمع يسلك مساراً للانسحاب التدريجي من الفضاء السياسي والعودة إلى الاهتمام بالحياة اليومية، بالعائلة والعمل والمجتمع المحلي.

وهذا الانسحاب لا يعني الفراغ، بل يعني العودة إلى البنى التقليدية العميقة التي ظلت صامدة رغم كل العواصف، القبيلة والعشيرة والأعيان والوساطات التقليدية. هذه البنى التي طالما وصفها خطاب النخب العلمانية بالتخلف والعائق أمام الحداثة، هي في الحقيقة الهيكل الصامد الذي حمل المجتمع في أحلك لحظاته، وغذّى النظام نفسه بكفاءاته وشبكاته وقياداته عبر العقود.

الجيل الجزائري الذي ينشأ اليوم لن يحمل وهج التسعينيات الديمقراطي. جيل ينشأ في عالم يرى فيه أمريكا قوة متراجعة وليست نموذجاً يُحتذى، ويرى الغرب يصارع يمينه المتطرف وأزماته الاجتماعية بشكل علني. ويرى في الوقت ذاته قوى صاعدة تقدم نماذج بديلة للنجاح دون أن تشترط الليبرالية السياسية ثمناً له.

خاتمة: السؤال الأصعب

تحليل هذه المسارات كلها يؤدي إلى خلاصة مفادها أن التاريخ يسير في غير صالح المعارضة الجزائرية بصيغتها الراهنة، وأن النظام يجد نفسه في تقاطع مريح مع اتجاهات العالم الجديد. غير أن ثمة سؤالاً لا يجيب عنه هذا الاستشراف، وهو السؤال الأصعب دائماً.

الأنظمة التي تزول عنها الضغوط الخارجية والداخلية معاً، دون أن تواجه محاسبة حقيقية، تملك تاريخياً ميلاً نحو الاسترخاء لا نحو الإنجاز. وحين يغيب الضغط ويغيب المنافس ويغيب الرقيب، قد تتحول التنمية من مشروع إلى مجرد خطاب، ومن التزام إلى واجهة تجميلية.

ربما كانت المعارضة مع ضعفها وتخلفها عن الزمن تؤدي وظيفة لا يدركها الكثير، وهي إبقاء ذلك الضغط الخفي الذي يمنع النظام من الانزلاق نحو الاطمئنان الكامل لحالته. فإذا ما اختفت هذه المعارضة أو ذابت في بنية النظام، فقد يكون الخاسر الأول ليس المعارضة ذاتها بل مشروع التنمية الذي يرفع النظام لواءه.


مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات