أراد أن يأسلم المجتمع، فاستسلم للسياسة
مدخل: إعادة قراءة الظاهرة
حين يستعيد المرء مسار المشروع الإسلامي في الجزائر، يجد نفسه أمام ظاهرة تستعصي على التصنيف السهل. فهي ليست مجرد حركة دينية أخفقت، ولا مجرد مشروع سياسي انهار تحت وطأة القمع، بل هي في جوهرها حالة كشفت عن هشاشة بنيوية عميقة في علاقة الحركات الفكرية المغاربية عموما بمحيطها المشرقي، وعن عجز متكرر في صياغة مشروع منسجم مع الهوية المحلية بأبعادها الحقيقية. ولعل أدق توصيف لهذه التجربة أنها كانت موجة تاريخية لا مشروعاً حضارياً، نشأت في ظروف استثنائية وانتهت بانتهاء تلك الظروف، تاركةً خلفها فراغاً لم يملأ بعد.
أزمة الثمانينات: الرحم الذي أنجب الظاهرة
لا يمكن فهم صعود المشروع الإسلامي الجزائري خارج سياقه التاريخي المحدد. فالأزمة الاقتصادية الحادة التي أعقبت انهيار أسعار النفط عام 1986 لم تكن مجرد أزمة مالية، بل كانت انهياراً شاملاً في شرعية نظام الحزب الواحد الذي بنى حضوره على وعود التنمية والاشتراكية. حين تآكلت هذه الشرعية، فتح ذلك فراغاً أيديولوجياً واجتماعياً واسعاً، لم يكن اليسار قادراً على ملئه لارتباطه العضوي بالنظام، فكان المشروع الإسلامي الوعاء الجاهز لاستيعاب الغضب الشعبي المتراكم.
غير أن هذا الصعود لم يكن وليد الداخل وحده. فثمة عوامل خارجية متضافرة أعطته وقوده الحقيقي. كانت الثورة الإيرانية عام 1979 قد أثبتت نظرياً في أذهان الحركات الإسلامية في كل مكان أن الإسلام قادر على إسقاط أنظمة وبناء دول، فأعطت الشباب الجزائري الغاضب نموذجاً للمحاكاة وشهية للانتصار. وفي الوقت ذاته، كانت الآلة الجيوسياسية الأمريكية-السعودية-الباكستانية تضخ في المنطقة تمويلاً سخياً للدعاية الجهادية من أجل استنزاف السوفييت عبر الجهاد الأفغاني، فنشأت شبكات تمويل وكوادر مدرّبة عادت بأيديولوجيا معولمة للجهاد ستشكّل لاحقاً نواة الجناح المسلح. وكان التمويل الخليجي يعمل في الوقت ذاته على إعادة هيكلة المشهد الديني الجزائري عبر بناء آلاف المساجد خارج سيطرة الدولة ونشر الأدبيات السلفية والإخوانية.
هذا التضافر بين أزمة داخلية وتغذية خارجية هو ما يفسر سرعة الصعود وعمق الانتشار. لكنه يفسر في الوقت ذاته لماذا كان هذا الانتشار موجةً لا جذراً، إذ حين زالت الظروف التي أنتجته بدأ يتلاشى تلقائياً.
التغلغل الشعبي: القوة التي تبددت
يبقى من أكثر الأسئلة إثارةً للتأمل: لماذا نجح المشروع الإسلامي في التغلغل في طبقات المجتمع العميق بينما بقيت التيارات الليبرالية والديمقراطية نخبويةً ضيقة؟ الإجابة تكشف عن معادلة لا تزال سارية المفعول حتى اليوم.
المشروع الإسلامي لم يأتِ بشيء غريب، بل استثمر رأسمالاً رمزياً جاهزاً. الهوية الإسلامية للجزائري ليست خياراً سياسياً بل مكوّن وجودي أساسي، والخطاب الديني مفهوم في القرية والحي الشعبي والمسجد دون حاجة إلى تعليم أكاديمي. في المقابل، كان الليبرالي والديمقراطي يتكلمان بمفاهيم مستوردة تحتاج وساطة ثقافية لاستيعابها. لكن الأهم من ذلك كان امتلاك الإسلاميين لبنية تحتية للانتشار لا يملكها غيرهم: المسجد كفضاء عمومي يومي متاح للجميع، والجمعيات الخيرية التي سدّت فراغاً تركته الدولة المنهكة، وحلقات التحفيظ التي وصلت للأحياء الفقيرة والأرياف. بينما كانت البنية التحتية للليبراليين تتكون من المقهى والجامعة والصحيفة الفرنكوفونية، وكلها فضاءات طبقية منعزلة.
يضاف إلى ذلك الجرح الثقافي المزمن. فالنخبة الليبرالية كانت في معظمها فرنكوفونية، مما وصمها اجتماعياً بالارتباط بالموروث الاستعماري في أذهان كثيرين. استغل الإسلاميون هذا ببراعة ليقدموا أنفسهم أبناء الجزائر الحقيقية في مواجهة أبناء فرنسا. والأهم من كل ذلك أن المشروع الإسلامي قدّم يقيناً في زمن الشك والأزمة، بينما الخطاب الديمقراطي بطبيعته قائم على النسبية والتعقيد والنقاش، وهذا ترف فكري حين يكون المواطن يبحث عن خبز وكرامة وتفسير لمأساته.
تراند الخميني: وهم استنساخ ثورة من مذهب آخر
من أكثر التناقضات كشفاً في تجربة الإسلاميين الجزائريين تلك الحماسة البالغة التي أبدوها حيال الثورة الإيرانية، دون أن يدركوا أنهم يحتفلون بنتيجة لا يملكون الآلة التي أنتجتها.
فالخمينية لم تكن أيديولوجيا دينية انتصرت فحسب، بل كانت بنية مؤسسية متكاملة تراكمت عبر قرون. الحوزة العلمية كانت شبكة مدارس دينية ممتدة من قم ومشهد إلى النجف وكربلاء، تملك تمويلاً ذاتياً مستقلاً عبر الخمس، وتراتبية واضحة من طالب إلى مجتهد إلى آية الله إلى مرجع التقليد، وقاعدة اجتماعية من المؤمنين المقلّدين الملزمين بطاعة مرجعهم دينياً. وفوق كل ذلك، أسّس الخميني نظرية ولاية الفقيه التي تمنح الفقيه الجامع للشرائط سلطة دينية-سياسية مشروعيتها من الصميم العقدي لا من صناديق الاقتراع.
حين قال الخميني "أتبعوني" لم يكن يخطب في فراغ، بل كان يُفعّل منظومة ولاء دينية-اجتماعية جاهزة ومختبرة عبر قرون. الإسلاميون الجزائريون رأوا ثورة انتصرت ولم يروا خلفها ألف سنة من بناء الحوزة، ومئات السنين من تراكم المرجعية، وعقيدة التقليد الشيعية التي تحوّل الولاء الديني إلى طاعة سياسية ملزمة. وحين حاولوا تقليد النتيجة دون امتلاك الآلة، كانت نتيجة ذلك حتمية: حماس بلا هيكل، وثورة بلا مرجعية، وخطاب بلا مؤسسة.
الصدام مع الطرقية: عمى استراتيجي بجذور تاريخية
ولعل أشد مواطن الضعف في المشروع الإسلامي الجزائري كشفاً ذلك الفشل المزمن في التحالف مع الإسلام الطرقي التقليدي، والذي يناقض على نحو لافت نجاح السلطة في توظيفه. فالطرق الصوفية في الجزائر ليست هامشاً دينياً، بل عمود الهوية الروحية للمجتمع العميق. القادرية والتيجانية والرحمانية والشاذلية وغيرها جذورها ممتدة قروناً، والزاوية كانت تاريخياً مدرسةً ومحكمةً وملجأً وشبكةً اقتصادية في آنٍ واحد، فضلاً عن كونها الحاضنة الأساسية للمقاومة الشعبية للاستعمار الفرنسي.
بيد أن المشروع الإسلامي الجزائري كان مشبعاً بالمرجعية السلفية-الإخوانية التي رأت في التصوف بدعةً يجب اجتثاثها وشركاً بسبب تبجيل الأضرحة والأولياء. وهذا يعني أن الإسلامي الجزائري حين نظر إلى الطرقي لم يرَ حليفاً محتملاً بل رأى مسلماً منحرفاً يحتاج هداية. والطرقي بدوره حين نظر إلى الإسلامي رأى متعجرفاً يريد محو هويته الروحية. كان التناقض وجودياً لا سياسياً فحسب.
ولهذا الصدام جذر تاريخي سابق. فجمعية العلماء المسلمين التي أسسها ابن باديس عام 1931 كانت قد خاضت المعركة ذاتها من قبل. كان المشروع الإصلاحي الباديسي يهدف إلى تنقية الإسلام من البدع وتوحيد المرجعية الدينية وتحديث التعليم، وكان الصدام مع الطرقية حتمياً في هذا السياق. غير أن هذا الهجوم حمل ثمناً فادحاً، إذ قطع الجمعية عن الجذور الشعبية الأعمق للمجتمع الجزائري. ومفارقة التاريخ أن ابن باديس حين هاجم الزاوية بدافع نهضوي سياسي، كان يهاجم المؤسسة التي حفظت اللغة العربية والهوية الإسلامية طوال قرن من الاستعمار.
الإسلاميون في الثمانينات ورثوا هذا الصدام دون أن يرثوا عمق المشروع الإصلاحي الباديسي. أخذوا منه رفض التصوف دون أن يأخذوا رزانته العلمية ولا منهجيته في محاولة تأسسيس البديل، وكرروا الخطأ الاستراتيجي نفسه في سياق مختلف بأدوات أضعف. بينما استغل النظام الجزائري ببرود استراتيجي ما عجز عنه الإصلاحيون والإسلاميون معاً، فاحتضن الطرقية وعززها ووظّفها كحصن مضاد للإسلام السياسي.
العشرية السوداء: المختبر القسري
العشرية السوداء لم تكن مجرد أزمة أمنية، بل كانت مختبراً قسرياً كشف التناقضات الداخلية للتيار وأجبره على إعادة تعريف نفسه. فجبهة الإنقاذ الإسلامي التي بدت متماسكة في زمن الصعود كانت في حقيقتها مظلة تحتضن مشاريع متناقضة: الإخوانيون الساعون إلى الدولة الإسلامية عبر المؤسسات، والسلفيون العلميون الرافضون للسياسة أصلاً، والجهاديون العائدون من أفغانستان المؤمنون بالحل العسكري فقط، والشعبويون الذين يستثمرون الغضب الاجتماعي بغلاف ديني دون عمق أيديولوجي. حين انهار المسار الانتخابي انكشف هذا الغياب للتجانس فوراً.
انقسم التيار حول سؤال وجودي واحد: هل العنف مشروع؟ وتشعّب المسار إلى ثلاثة اتجاهات لا تلتقي. ذهب الجناح الراديكالي إلى أقصى العنف في مسار أفضى إلى مجازر أفقدته كل شرعية شعبية. وقبل جزء من المسلحين عروض المصالحة في إقرار ضمني بفشل المشروع العسكري. أما المسار الثالث والأهم فكان الاختيار الذكي لمشروع المشاركة السياسية الذي مثّلته حركة مجتمع السلم، والذي قام على قبول قواعد اللعبة السياسية القائمة والدخول في تحالفات مع النظام وتليين الخطاب من "الحل الإسلامي" إلى "المرجعية الإسلامية".
لكن هذا المشروع حمل في طياته تناقضاً قاتلاً. المشاركة السياسية في ظل نظام يتحكم في قواعد اللعبة أنتجت معضلة لا مخرج منها: كلما أثبتوا اعتدالهم فقدوا قاعدتهم الشعبية، وكلما شاركوا في الحكومة تورطوا في إخفاقاتها. والنتيجة أن العشرية أنتجت معادلة مفارِقة: العنف أفقد الإسلام السياسي شرعيته الأخلاقية، والمهادنة أفقده شرعيته الثورية، فبقي في المنتصف بلا هوية واضحة.
الألفينات: الاستنزاف الأخير
ما حدث في عقد الألفينات لم يكن هزيمة مدوّية بل شيئاً قل صخبا ولكن أعمق ضرراً، هو الاستنزاف الصامت الذي لا يُعوَّض. فالحركة الإسلامية كانت قد جنّدت في الثمانينات والتسعينات طاقات بشرية في ظروف استثنائية لا تتكرر: حمى دينية وغضب اجتماعي وزخم أيديولوجي. ثم عملت ثلاثة مسارات متوازية على استنزاف هذا الرصيد البشري. أبادت العشرية الكوادر الميدانية قتلاً وسجناً وتشريداً. واستنزف الزج بكوادر ذات تكوين ديني بسيط في متاهات البلديات والبرلمان والولايات الجيلَ المتبقي، مخرجاً إياه من مجاله الطبيعي وأدخله في لعبة لا يملك أدواتها. فالمعلم الذي كان مؤثراً في حيّه أصبح مستشاراً بلدياً يتفاوض على ميزانيات الصرف الصحي. ثم أنهى الزمن الباقين، إذ بات الجيل المؤسس في الستينيات والسبعينيات من عمره يحمل ذاكرة حقبة لا يفهمها شباب اليوم.
والأشد في هذا الاستنزاف أنه أفضى إلى ضياع السمة والهوية، وهي الخسارة الحقيقية. فالإسلاميون دخلوا السياسة بادعاء أنهم مختلفون أخلاقاً وخطاباً ومشروعاً، وكان هذا الادعاء رأسمالهم الحقيقي. حين أفقدتهم صراعات السياسة هذا الادعاء، حين تورطوا في المحسوبية والتحالف مع النظام والتناحر على المناصب وتبني خطاب توافقي فارغ، لم يتبقَّ ما يميزهم. دخلوا السياسة ليُأسلموا المجتمع فأستسلمو هم للسياسة.
الهشاشة أمام المشرق: الجرح البنيوي
ما تكشفه هذه التجربة في عمقها هو هشاشة تاريخية مزمنة في علاقة الحركات الفكرية المغاربية بالمشرق. فالمغرب العربي يعاني من علاقة إشكالية مع مركز الثقل الحضاري والديني، تراوحت تاريخياً بين الانبهار والتبعية وعقدة المحيط أمام المركز. وكل موجة مشرقية لم تجد صعوبة في الجزائر لتجنيد أتباع عبر الأجيال. حين جاءت الثورة الإيرانية استقبلوها وحياً حضارياً لا نموذجاً قابلاً للنقد، وحين جاءت الأيديولوجيا الإخوانية اعتنقوها دون تعديل، وحين تدفق التمويل السلفي تسلفو.
رغم أن الجزائر تملك من مواد البناء الهوياتي ما يكفي لمشروعها أصيل: إسلام مالكي راسخ بخصوصيته الفقهية، وتصوف طرقي عريق متجذر في الوجدان الشعبي، ومقاومة تاريخية للاستعمار بوجه إسلامي-وطني مركّب، وأمازيغية وعروبة في توتر خلاق من غير تناقض، وتجربة ابن باديس الإصلاحية كإرث محلي أصيل. لكن الإسلاميين لم يقدرو على الابتكار، ولا حتى تحويل هذه المواد إلى مشروع منسجم. وهذا في تقديري ما يضخم حجم هذا الإخفاق.
خاتمة: الفراغ الذي لم يملأ بعد
حين نستعيد كل هذا المسار ندرك أن المشروع الإسلامي الجزائري لم يُهزم من الخارج فحسب، بل استنفد نفسه بالانقسام بين خيارين كلاهما مكلف، والركض خلف نماذج لا تنتمي إليه، والصدام مع هويته المحلية العميقة بدل البناء عليها. وندرك أن ما نشأ في أزمة الثمانينات لم يكن مشروعاً حضارياً بقدر ما كان استجابة انعكاسية لظروف استثنائية، والدليل أنه لم ينتج في ذروته مشروعاً فكرياً يُقرأ اليوم، ولا تيارا بإشعاع عالمي، ولا نموذجاً اقتصادياً أو اجتماعياً قابلاً للتطبيق.
والأزمة الحقيقية ليست أن التيار أخفق. الأزمة الحقيقية أن الفراغ الذي يتركه لم يملأ بعد. هذا الجيل الرقمي الجزائري الصاعد يبحث عن هوية وكرامة وأفق، بلا إسلاميين مقنعين ولا ليبراليين متجذرين ولا يساريين ذوي مصداقية. وهذا الفراغ، لا انحسار التيار الإسلامي في حد ذاته، هو السؤال الجزائري الحقيقي الذي لم يُطرح بعد بالجدية التي يستحقها.
هذه الموجة انحسرت. لكن موجات اخرى ستعقبها حتما.
