ليست كل الأجيال مجرد وحدات زمنية متعاقبة، فبعضها يتشكل داخل لحظات تاريخية عادية تسمح له بالنمو التدريجي المتوازن، بينما تتكوّن أجيال أخرى داخل زلازل تاريخية عنيفة تترك في وعيها ندوبًا لا تزول حتى بعد مرور العقود. والجيل الجزائري الذي عاش مراهقته وبداية شبابه بين نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ينتمي بوضوح إلى هذا الصنف الثاني؛ جيل لم يعش مجرد أزمة سياسية عابرة، بل عاش انهيار عالم كامل، وانفجار سردية تاريخية بكاملها، وتفكك اليقين الذي تأسست عليه الدولة الوطنية الجزائرية منذ الاستقلال.
إن قراءة المواقف السياسية والثقافية لهذا الجيل بوصفها مجرد “معارضة للنظام” تبدو قراءة سطحية لا تنفذ إلى العمق الحقيقي للمسألة. فالقضية هنا ليست موقفًا سياسيًا بقدر ما هي بنية وعي تشكلت داخل صدمة تاريخية جماعية، ثم استمرت في إعادة إنتاج نفسها حتى بعد تغير السياقات. لقد عاش هذا الجيل لحظة اختلط فيها انهيار النموذج الاشتراكي عالميًا بانهيار التوازنات الداخلية للدولة الجزائرية، فوجد نفسه أمام عالم يتداعى من جميع الجهات في الوقت ذاته: الحزب الواحد يفقد شرعيته، الاقتصاد الموجّه ينهار، العنف السياسي يتصاعد، الحرب الباردة تنتهي، والمعسكر الذي كانت الجزائر تنتمي إلى فضائه الرمزي والتاريخي يسقط سقوطًا مدويًا أمام الهيمنة الغربية الصاعدة.
في تلك اللحظة لم تكن الديمقراطية الليبرالية بالنسبة إلى هذا الجيل مجرد آلية سياسية قابلة للنقاش أو المراجعة، بل ظهرت كخلاص تاريخي كامل، وكوصفة سحرية قادرة على إنهاء كل التناقضات دفعة واحدة. لقد تزامن انهيار العالم القديم مع صعود خطاب عالمي جديد يقدّم الديمقراطية الغربية بوصفها النهاية الطبيعية للتاريخ البشري، لا مجرد تجربة حضارية خاصة بأوروبا الحديثة. ولم يكن ذلك مجرد خطاب سياسي، بل مناخًا نفسيًا وثقافيًا شاملًا فرض نفسه عبر الإعلام العالمي والجامعات والمنظمات الدولية والثقافة الكونية الجديدة التي تشكلت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
وهنا بالضبط يمكن فهم ما يمكن تسميته “الهوس السياسي” الذي طبع ذلك الجيل. فحين تدخل المجتمعات في أزمنة الانهيار التاريخي تتحول السياسة من مجال محدود داخل النخب والمؤسسات إلى لغة تفسير كلية للعالم. لم تعد السياسة شأن الأحزاب والدساتير، بل أصبحت مادة الحياة اليومية نفسها. أصبح الشارع والمقهى والجامعة فضاءات تعبئة أيديولوجية مستمرة، وتحول الفرد العادي إلى كائن مشغول بصورة دائمة بأسئلة الشرعية والتاريخ والهوية والخيانة والمؤامرة والمصير. لم يعد المجتمع يعيش السياسة بوصفها نشاطًا من ضمن أنشطة أخرى، بل كقدر شامل يبتلع كل شيء.
ومن هنا يمكن فهم الاختلال العميق الذي أصاب البنية الثقافية لهذا الجيل. فالتسييس المفرط لا يعني دائمًا نضجًا سياسيًا، بل قد يكون أحيانًا علامة على اختلال التوازن بين مجالات الوعي المختلفة. حين تصبح السياسة العدسة الوحيدة لفهم العالم، يتحول الأدب إلى بيان، والفن إلى موقف، والتاريخ إلى محكمة، والثقافة إلى اصطفاف دائم. ويصبح الإنسان غير قادر على رؤية المجتمع إلا من خلال ثنائية السلطة والمعارضة، وكأن الحياة كلها مجرد امتداد لمعركة سياسية لا تنتهي.
لكن المأزق الأعمق لهذا الجيل لا يكمن فقط في تضخم الوعي السياسي، بل في طبيعة النموذج الذي تعلّق به هذا الوعي. لقد وقع قسم واسع من النخب العربية والجزائرية في وهم تاريخي كبير مفاده أن الديمقراطية الغربية منظومة تقنية يمكن استيرادها جاهزة من دون شروطها الحضارية العميقة. جرى التعامل مع الديمقراطية كما لو كانت صندوق اقتراع ودستورًا وتعددية حزبية فحسب، بينما هي في حقيقتها نتيجة تراكم تاريخي وثقافي معقد استمر قرونًا داخل أوروبا.
فالديمقراطية الغربية لم تولد من فراغ، ولم تكن ثمرة عبقرية أخلاقية مفاجئة، بل كانت حصيلة مسار طويل من الصراعات الدينية، والتحولات الاقتصادية، وصعود البرجوازية، وتطور القانون، وتشكل الفرد الحديث، وبناء الدولة المؤسساتية، وترسيخ ثقافة التسوية والتعاقد والثقة القانونية. لقد نشأت الديمقراطية الحديثة داخل سياق حضاري خاص جدًا، تشكلت فيه بنية ثقافية تسمح بوجودها واستمرارها. ولذلك فإن نجاحها لم يكن راجعًا إلى النصوص الدستورية وحدها، بل إلى عمق تاريخي ومؤسساتي وثقافي سبقها بقرون.
غير أن جيل التسعينات الجزائري، تحت تأثير الصدمة والانبهار بالنموذج المنتصر، تعامل مع الديمقراطية الغربية كما لو كانت حقيقة أخلاقية مطلقة صالحة للاستنساخ الفوري في أي مكان من العالم. وهنا ظهرت المفارقة الكبرى: فكل محاولة لتطبيق “الصورة الديمقراطية” داخل المجتمعات العربية كانت تتحول غالبًا إلى واجهة شكلية تخفي استمرار البنية السلطوية نفسها. انتخابات بلا مؤسسات مستقلة، تعددية بلا ثقافة سياسية حديثة، دساتير متقدمة داخل مجتمعات لم تتشكل فيها بعد شروط الدولة الحديثة. والنتيجة كانت إنتاج أنظمة هجينة تستعير الشكل الديمقراطي لتأمين الشرعية الدولية، بينما تستمر في العمل بمنطق السلطة التقليدية نفسها.
لكن أزمة هذا الجيل لم تتوقف عند حدود خيبة الأمل في التطبيق المحلي، بل امتدت إلى عجزه عن إعادة النظر في النموذج ذاته. فحتى بعد أن كشفت العقود الأخيرة حجم التناقضات داخل الديمقراطيات الغربية نفسها، ظل جزء كبير من هذا الجيل أسيرًا للصورة المثالية القديمة. لقد ظهرت بوضوح ازدواجية المعايير الغربية، وانكشفت حدود الخطاب الحقوقي حين يتعارض مع المصالح الجيوسياسية، وبرزت أزمات التمثيل والشعبوية والهيمنة المالية داخل المجتمعات الغربية ذاتها، بل إن الديمقراطية الليبرالية نفسها دخلت مرحلة ارتباك تاريخي عميق. ومع ذلك بقيت قطاعات واسعة من هذه النخب تتعامل مع الغرب بوصفه المرجعية الأخلاقية النهائية، وكأن سقوط النموذج الاشتراكي قد منح الغرب حصانة فكرية أبدية.
وفي المقابل، بدأت نماذج أخرى غير ليبرالية تحقق نجاحات تنموية وتكنولوجية كبرى، وعلى رأسها الصين التي استطاعت أن تكسر فرضية غربية قديمة كانت تربط التحديث الاقتصادي حتميًا بالديمقراطية الليبرالية. كما ظهرت تجارب آسيوية مختلفة أثبتت أن التنمية لا تتبع دائمًا المسار الأوروبي نفسه. ما يدعم ببساطة أن التاريخ أكثر تعقيدًا من السردية الليبرالية التبسيطية التي سادت في التسعينات.
إن المأساة الفكرية لجيل التسعينات الجزائري تكمن ربما في أنه ظل عالقًا بين وهمين متناقضين: وهم النموذج الغربي المثالي، ووهم إمكانية استنساخه خارج شروطه التاريخية. ولذلك عاش هذا الجيل حالة دائمة من الإحباط والخصومة مع واقعه، لأنه كان يقارن مجتمعًا خرج للتو من الاستعمار، ومن اقتصاد ريعي هش، ومن حرب أهلية دامية، بمجتمعات بنت مؤسساتها الحديثة عبر قرون من التراكم التاريخي.
لقد كان هذا الجيل، في أحد أعمق أبعاده، ضحية لحظة تاريخية عالمية أكثر منه مجرد ضحية لنظام سياسي محلي. فقد تشكل وعيه داخل لحظة أعلن فيها الغرب انتصاره النهائي على العالم، فاختلطت لديه الرغبة المشروعة في الحرية والكرامة والانفتاح بنوع من الإيمان شبه الديني بالنموذج الغربي نفسه. ولهذا ظل عاجزًا عن رؤية أن السياسة ليست مجرد شعارات كونية، بل تعبير عن توازنات ثقافية واجتماعية وتاريخية معقدة، وأن أشكال الحكم لا تُستورد كما تُستورد التقنيات، بل تنمو داخل تاريخ طويل خاص بكل مجتمع.
وربما لهذا السبب يبدو هذا الجيل حتى اليوم وكأنه يعيش داخل التسعينات، لا بوصفها فترة زمنية انتهت، بل كجرح ثقافي مفتوح لم يلتئم بعد.
