تفكيك "البارادايـم" الإعلامي الفرنسي تجاه الجزائر

 في الفضاء الإعلامي الفرنسي، لا تكاد التغطية الإخبارية للشأن المغاربي تنفك عن عقال السياسة وتوازنات القوى العميقة. وحين توضع "عدسة حقوق الإنسان والحريات" لفحص الواقع في كل من الجزائر والمغرب، يتبدى للمراقب الواعي تباين جوهري في الرصد، والتحليل، والنبرة. هذا التمايز — الذي تصفه أدبيات النقد السياسي بـ "ازدواجية المعايير" وأحياناً بـ "الانحياز الهيكلي" لصالح الرباط على حساب الجزائر — ليس مجرد انحراف مهني عابر، بل هو انعكاس دقيق لـ "بارادايم" (نموذج معرفي وسياسي) فرنسي معقد، تتشابك فيه البراغماتية الاقتصادية، والهواجس الأمنية، وظلال التاريخ الاستعماري.

إن قراءة السلوك الإعلامي الفرنسي، لا سيما في القنوات الرسمية أو شبه الرسمية مثل "فرانس 24" (France 24)، تُظهر ميلاً نحو "التخفيف اللغوي والتأطير الاجتماعي" للاحتجاجات والأزمات الحقوقية في المغرب، مقابل "الحدة المنهجية والتأطير السياسي البنيوي" عند التعاطي مع الملفات الحرياتية في الجزائر. لتفكيك هذا التمايز، يجب النفاذ إلى ما وراء الوجوه والشاشات، والنبش في الركائز الأربع التي تصنع هذا المشهد.

أولاً: معضلة الإرث التاريخي؛ "الحماية" المرنة مقابل "الاستيطان" الدامي

لا يمكن فهم العقل السياسي والإعلامي الفرنسي تجاه شمال إفريقيا دون العودة إلى طبيعة التجربة الاستعمارية وسيكولوجيتها:

النموذج المغربي (نظام الحماية): تأسست العلاقة الفرنسية-المغرب في عهد الجنرال "ليوتي" على مبدأ الحفاظ على البنى التقليدية للمجتمع والمؤسسة الملكية مع اختراقها وإدارتها. هذا الإرث خلّف نخبة فرنسية (سياسية وإعلامية) تنظر إلى المغرب بعين "الاستمرارية" والألفة، وتتعامل مع مؤسساته بنوع من الاحترام والتحفظ، مما يفرض كبحاً تلقائياً لنبرة النقد العنيف.

النموذج الجزائري (الاستعمار الاستيطاني والدمج): في المقابل، كانت الجزائر تمثل امتداداً جغرافياً لفرنسا، وانتهى وجودها هناك بحرب تحريرية دامية هزت الوجدان والسياسة الفرنسية (سقوط الجمهورية الرابعة). هذا التاريخ المثقل بـ "عقدة الذنب" و"الرغبة في الانتقام الرمزي" جعل التناول الإعلامي الفرنسي للشأن الجزائري محكوماً دائماً بالتوتر، والتسييس المسبق، والجرأة الزائدة في تشريح النظام الحاكم، حيث يُنظر إلى السلطة في الجزائر عبر عدسة الخصومة التاريخية المستدامة.

ثانياً: الاقتصاد السياسي للإعلام؛ حين تفرض لغة المصالح منطقها

خلف الشاشات والصحف تقبع شبكات معقدة من المصالح المالية والاستثمارية التي توجه — بشكل مباشر أو عبر الرقابة الذاتية — السياسات التحريرية:

تعتبر فرنسا المغرب الحقل الأكثر أماناً واستقراراً لاستثماراتها في إفريقيا (أكثر من 900 شركة فرنسية، ومصانع عملاقة للسيارات والطيران، وشراكات بنكية). إن استقرار البيئة الاستثمارية يتطلب بالضرورة الحفاظ على صورة "المغرب المستقر والآمن للرأسمال". من هنا، فإن أي اهتزاز حقوقي أو حراك اجتماعي (كاحتجاجات الشباب أو حراك الريف سابقاً) يتم تسويقه إعلامياً في الغالب كـ "أزمة تدبير اجتماعي" أو "أعمال شغب معزولة"، لتفادي ضرب صورة الشريك الموثوق.

أما مع الجزائر، فرغم الأهمية الاستراتيجية لملف الطاقة (الغاز والنفط)، إلا أن البنية الاقتصادية للبلد تتسم بالحمائية وصعوبة الاختراق من طرف الشركات الفرنسية مقارنة بالمغرب، مما يقلل من "أوراق الضغط الاقتصادي المتبادل" ويمنح الإعلام الفرنسي هامشاً أوسع للمناورة والنقد دون الخوف من خسائر استثمارية مباشرة وضخمة.

ثالثاً: العقيدة الأمنية وتبادل الأدوار؛ "المغرب كدرع مرن"

في الدوائر السياسية بباريس، يُنظر إلى الرباط كحليف أمني لا غنى عنه في ملفين حارقين بالنسبة للمواطن والناخب الفرنسي: مكافحة الإرهاب في الساحل، وإدارة تدفقات الهجرة غير الشرعية.

إن هذه الخدمة الاستراتيجية العالية الكلفة التي يقدمها المغرب لأمن أوروبا تُقابل بنوع من "التغاضي البراغماتي" عن الملفات الحقوقية الداخلية. فالقاعدة الضمنية هنا: "الأمن والاستقرار أولاً، ثم الحريات ثانياً".

وحين تجرأت بعض وسائل الإعلام الفرنسية على تجاوز الخطوط الحمراء (كما حدث في ملف التجسس "بيغاسوس" أو محاكمة بعض الصحفيين)، واجهت الرباط ذلك بـ "دبلوماسية خشنة" وأوراق ضغط أمنية وقانونية واضحة، مما أجبر صناع القرار الإعلامي في باريس على إعادة ضبط البوصلة نحو التهدئة والحذر، وهو ما تجلى بوضوح في المنهجية المخففة والمتحفظة التي عولجت بها الأحداث والتوترات الاجتماعية الأخيرة.

رابعاً: معركة "القوة الناعمة" والاختراق النخبوي

ثمة عامل جوهري آخر يتعلق بآليات "الدبلوماسية العامة" والاختراق الثقافي. تمتلك المملكة المغربية استراتيجية تواصلية هجومية ونشطة للغاية داخل النسيج الثقافي والإعلامي الفرنسي.

إن الوجود الوازن لنخب وإعلاميين من أصول مغربية في قنوات ومؤسسات فرنسية كبرى، والذين — رغماً عن التزامهم بالمهنية الجمهورية — يشكلون جسراً ثقافياً يفهم طبيعة وسياق بلدهم الأصلي، يساهم في تقديم روايات وسياقات أكثر تفهماً وهدوءاً للشأن المغربي. يضاف إلى ذلك شبكات العلاقات العامة (Public Relations) ومجموعات الضغط (Lobbing) الفعالة التي تديرها الرباط في باريس، والتي تفتقد الجزائر إلى نظير ديناميكي لها بنفس الكفاءة التنافسية، حيث تفضل الجزائر غالباً القنوات الرسمية الجافة أو الردود البياناتية الحادة عبر وكالة أنبائها الرسمية، مما يترك الساحة الإعلامية الفرنسية لإنتاج قراءات أحادية النظرة تجاه الشأن الجزائري.

خاتمة: إعلام المحاور وسياسة "الهندسة المتغيرة"

في نهاية المطاف، يكشف تشريح الموقف الإعلامي الفرنسي تجاه الجارين اللدودين (الجزائر والمغرب) أن "حقوق الإنسان والحريات" في الإعلام الدولي والفرنسي تحديداً، نادراً ما تكون قيماً مطلقة ومجردة. إنها تُوظف كـ "هندسة متغيرّة" (Variable Geometry)؛ تشتد وتتحول إلى سوط للنقد والضغط البنيوي عندما تتوتر العلاقات السياسية وتتعقد لغة المصالح (كما هو الحال مع الجزائر)، وتلين وتتحول إلى نصائح ناعمة وقراءات سوسيولوجية هادئة عندما يتعلق الأمر بحليف استراتيجي واقتصادي بنيوي (كما هو الحال مع المغرب).

مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات