سيكولوجية الفقد وعقدة الجزائر: لماذا ظلت الجزائر استثناءً في ذاكرة فرنسا؟


تمهيد: جغرافيا الذاكرة وجراح الهوية

في جردة الحساب التاريخية لفك الارتباط الاستعماري في القرن العشرين، نادراً ما نجد حدثاً ترك ندوباً غائرة في الجسد السياسي والاجتماعي لدولة أوروبية كما فعل استقلال الجزائر عام 1962 في فرنسا. إن النزوح الفجائي والجماعي لقرابة مليون مستوطن أوروبي — الذين عُرفوا تاريخياً بلقب "الأقدام السوداء" (Pieds-Noirs) — لم يكن مجرد انتقال ديموغرافي فرضه منطق التحرر الوطني، بل كان زلزالاً هوياتياً أعاد تشكيل الخارطة السياسية الفرنسية، ووفر الخزان العقائدي والبشري لصعود اليمين المتطرف الفرنسي حتى يومنا هذا.

ومع ذلك، فإن السؤال المعرفي الذي يفرض نفسه عند قراءة هذا التحول لا يكمن في رصد صعود هذا التيار فحسب، بل في تفكيك "انتقائيته الجغرافية". فلماذا تحولت الجزائر في وجدان "الأقدام السوداء" إلى عقدة وجودية وحجر عثرة أمام أي مصالحة تاريخية، في حين تحول الحضور الفرنسي السابق في الجارتين، تونس والمغرب، إلى مجرد حنين سياحي وأرشيف من "الذكريات المتوسطية الدافئة"؟

تكمن الإجابة في تفكيك ثلاثة أبعاد بنيوية: الطبيعة القانونية والوجودية للاستيطان، سيكولوجية الرحيل وتحت وطأة العنف، وهندسة التعامل مع "المجال والممتلكات" بعد الاستقلال.
أولاً: أسطورة "الأرض الممتدة" وفلسفة الاستيطان الإلحاقي

لم تكن الجزائر في العقل الاستعماري الفرنسي مجرد "مستعمرة" (Colonie) تُدار بالوكالة أو تبحث عن استغلال اقتصادي عابر، بل كانت صياغة وجودية لـ "فرنسا الأخرى". فمنذ عام 1848، أعلن المشرّع الفرنسي أن الجزائر جزء لا يتجزأ من التراب الوطني، وقُسّمت إدارياً إلى محافظات فرنسية يخضع سكانها الأوروبيون لما يخضع له المواطن في باريس أو ليون.

هذه "الفلسفة الإلحاقية" خلقت عبر الأجيال التعاقبية للمستوطنين — الذين ضمت كتلتهم خليطاً من الفرنسيين، والإسبان، والإيطاليين، والمالطيين — ما يمكن تسميته بـ "عقيدة الأرض الناتجة عن التوطين الخالق". لقد ولد الجيل الرابع والخامس من هؤلاء على أرض الجزائر دون أن يربطهم بفرنسا الأم سوى الرابط القانوني واللغوي؛ كانت الشمس، والبحر، والعمارة، والحقول في وهران، وسهل المتيجة، وعنابة، والجزائر العاصمة هي وعاؤهم الهوياتي الوحيد. وفي مدينة مثل وهران، حيث تجاوزت نسبة الأوروبيين 60% من الساكنة قبيل الاستقلال، كان المستوطن يشعر بأنه صاحب الحق التاريخي والشرعي في صياغة هوية المكان.

في المقابل، كان الوضع في تونس والمغرب مختلفاً جذرياً؛ إذ أُطّرت العلاقة هناك قانونياً وفلسفياً تحت مفهوم "الحماية" (Protectorat). لم تُلغَ الأنظمة المحلية (الملكية في المغرب والباي في تونس) بل هُمّشت صورياً، وظل المستوطن الأوروبي هناك يدرك — ولو في لا وعيه — أنه ذراع إداري أو اقتصادي في أرض "الآخر"، وأن وجوده مرتبط بظرف سياسي وقانوني محدد. هذا التمايز الجوهري جعل فقدان الجزائر بالنسبة للأقدام السوداء بمثابة "بتر للذات" واعتداء على "البيت الشخصي"، بينما كان التخلي عن تونس والمغرب بمثابة انسحاب من "عقار مستأجر".
ثانياً: دراماتيكية القطيعة وسيكولوجية "الخروج تحت النار"

لا يمكن فهم حدة الوعي السياسي للأقدام السوداء دون تلمس سيكولوجية الصدمة الارتدادية لعام 1962. إن الطريقة التي انهار بها المشروع الاستعماري في الجزائر صبغت الذاكرة الجماعية لهؤلاء بصبغة انتقامية سوداوية.

جاء استقلال الجزائر تتويجاً لثورة تحريرية دموية دامت ثماني سنوات، تحولت في أواخرها إلى حرب أهلية ثلاثية الأبعاد (بين جبهة التحرير الوطني، والجيش الفرنسي، ومنظمة الجيش السري $OAS$ التي مثّلت الجناح الإرهابي للمستوطنين الرافضين لأي تسوية). تبنت المنظمة الأخيرة سياسة "الأرض المحروقة"، مفجرةً البنى التحتية، والمكتبات، والمستشفيات، في محاولة يائسة لمنع ولادة الدولة الجديدة. هذا المناخ من العنف المطلق جعل شعار "الحقيبة أو التابوت" حقيقة واقعية لا مجرد مجاز بلاغي.

الرحيل الجماعي لقرابة مليون إنسان في غضون أشهر قليلة تحت وطأة الذعر غرس في وعي "الأقدام السوداء" شعوراً مركباً من:

المظلومية تجاه الداخل الجزائري: الذي رأوا فيه طارداً لهم وقاضياً على نمط حياتهم.

الخيانة العظمى تجاه الدولة الفرنسية (الديغولية): التي اعتبروا أنها تخلت عنهم وباعت تضحياتهم في سوق التسويات السياسية.

أما في تونس والمغرب، فقد صيغ الاستقلال عبر مسارات تفاوضية متدرجة وسلسة نسبياً. لم يشهد البلدان حرباً شاملة تقوض أركان العيش المشترك، ولم يُطرد المستوطنون بحد السيف، بل غادر الكثير منهم طواعية على مدار سنوات، وبقي بعضهم لإدارة مصالحهم، مما نزع فتيل الشحنة العاطفية الحاقدة التي تميزت بها أدبيات "الأقدام السوداء" في الجزائر.
ثالثاً: المقاربة الاقتصادية وفلسفة الممتلكات (التأميم الثوري ضد المغربة المتدرجة)

يتجلى الصدام المستمر بين لوبي الأقدام السوداء والجزائر في بعده المادي المحض، وتحديداً في كيفية هندسة الاستيلاء على المجال والممتلكات بعد الاستقلال.

في الجزائر، تبنت السلطة الوطنية الفتية خياراً اشتراكياً ثورياً راديكالياً؛ فمع شغور المدن والمزارع الشاسعة (مثل كبرى ضياع زراعة الكروم والحمضيات في المتيجة)، أصدر الرئيس أحمد بن بلة عام 1963 مراسيم "الأملاك الشاغرة"، متبوعة بتأميم شامل لأكثر من 2.7 مليون هكتار من الأراضي الخصبة وتحويلها للتسيير الذاتي. واعتبرت الدولة الجزائرية هذا الإجراء استرداداً شرعياً لثروة نُهبت على مدار 132 عاماً، رافضةً تقديم أي تعويض مالي للمستوطنين. هذا الفقدان الكامل والنهائي لكل الأصول المادية والعقارية رسخ لدى الأقدام السوداء شعوراً بأنهم ضحايا "عملية سطو تاريخية"، وهو ما غذى مطالباتهم السياسية بالتعويض داخل فرنسا لعقود.

على النقيض من ذلك، سلك المغرب وتونس مسارات اتسمت بالمرونة والمصلحة المتبادلة:

في المغرب: لم تُسترجع الأراضي الزراعية الكبرى التابعة للمعمرين إلا في عام 1973 عبر سياسة "المغربَة"، أي بعد قرابة 17 سنة من الاستقلال، وجرت العملية عبر اتفاقيات تعويض مالي وبتدرج سمح للمستوطنين بتصفية أعمالهم ونقل رساميلهم. أما العقارات الحضرية في مدن كالدار البيضاء والرباط فقد بيعت في أسواق العقار الطبيعية ولم تُصادر قسراً.

في تونس: قاد الحبيب بورقيبة سياسة "الجلاء الزراعي" عام 1964 لتأميم الأراضي، ورغم أنها أثارت أزمة ديبلوماسية مؤقتة مع باريس، إلا أن الدولة التونسية دخلت لاحقاً في تسويات تفاوضية لتعويض المتضررين، ولم تمس الملكيات الفردية الصغيرة أو المحلات التجارية بذات الراديكالية التي شهدتها التجربة الجزائرية.
رابعاً: الإسقاط السياسي داخل فرنسا (الذاكرة كأداة للهيمنة)

عندما وصل "الأقدام السوداء" إلى فرنسا، واجهوا استقبالاً بارداً، بل وعدائياً في كثير من الأحيان — لا سيما في مدن الجنوب مثل مارسيليا — حيث نُظر إليهم كـ "مستغلين" وكعبء اقتصادي واجتماعي تسبب في نزف دماء الجنود الفرنسيين في حرب استعمارية غير شعبية.

هذا الاغتراب المزدوج (مطرودون من الجزائر، ومنبوذون في فرنسا) دفعهم للتكتل في جماعات ضغط (Lobbies) سياسية وثقافية شرسة لحماية مصالحهم وصياغة روايتهم التاريخية. وتحول هذا الثقل الديموغرافي التراكمي في جنوب فرنسا (مارسيليا، نيس، تولون، بربينيان) إلى بيضة القبان في الانتخابات الفرنسية.

من رحم هذه المظلومية المشحونة بالحنين السوداوي للجزائر الفرنسية (Nostalgérie)، وُلد الوعي التأسيسي لليمين المتطرف الفرنسي؛ حيث ساهم هؤلاء بقوة في تشكيل وتغذية "الجبهة الوطنية" بقيادة جان ماري لوبان. وامتد تأثيرهم ليجبر الحكومات الفرنسية المتعاقبة على الرضوخ لإملاءات ذاكرتهم، وهو ما تجلى في إصدار قانون 2005 الشهير الذي يمجد "الدور الإيجابي للاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا"، وفي التعنت المستمر لفرنسا الرسمية في تقديم اعتذار كامل عن جرائم الفترة الاستعمارية في الجزائر، خوفاً من خسارة هذه الكتلة الناخبة الحيوية.
خاتمة: العقدة المستمرة

إن تيار "الأقدام السوداء" لا يحمل عداءً بنيوياً للمغرب أو تونس لأن مسارات الانفكاك التاريخي هناك لم تحطم "الأنا" الاستعمارية، ولم تسلب المستوطن كرامته المادية أو هويته المكانية. أما الجزائر فستبقى الاستثناء الوجودي في الوجدان السياسي الفرنسي؛ لأنها تمثل بالنسبة لهذا التيار الجرح الذي لا يندمل — جرح طردهم من "الفردوس المتوهم" الذي ظنوا يوماً أنه أصبح ملكاً لهم إلى الأبد، ومواجهتهم للحقيقة التاريخية القاسية: أن الأرض تعود في النهاية لأصحابها الأصليين، وأن "الحقيبة" كانت الثمن الحتمي لقرن وثلاثة عقود من الاستعلاء الاستيطاني.
مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات