جدلية "البطل" و"الإرهابي": في تفكيك سرديات الإعلام الغربي وتسييس الرموز

 في عالم السياسة الدولية، لا يُعدُّ تصنيف الشخصيات السياسية مجرد عملية توصيف واقعي، بل هو فعلٌ أيديولوجي بامتياز. إذ تُمارس مراكز القوى، عبر أدواتها الإعلامية والثقافية، سلطة "هندسة الوعي" من خلال صياغة سرديات تُحدد من هو "البطل" المُلهم ومن هو "الإرهابي" المُنبوذ. وتبرز هنا مفارقة صارخة عند مقارنة التناول الغربي لشخصيات مثل "نينوي أكينو" في الفلبين، مقابل قادة حركات المقاومة الفلسطينية كـ "الشيخ أحمد ياسين"؛ حيث تفرض هذه المقارنة سؤالاً جوهرياً حول معايير النزاهة الإعلامية ومركزية القيم في تقييم حركات التحرر.

سوسيولوجيا البطل: نينوي أكينو والنموذج المواتي

يُقدّم الإعلام الغربي "نينوي أكينو" كأيقونة للديمقراطية السلمية. تكمن قوة هذه السردية في توافقها مع "القيم الليبرالية" الغربية؛ فأكينو لم يدعُ إلى صراع مسلح ضد حليف استراتيجي للغرب في جنوب شرق آسيا، بل اتخذ من الكلمة والموقف السلمي والعودة من المنفى أدواتٍ للمقاومة. هذا الإطار يجعله "بطلاً آمنًا"؛ فهو يمثل تغييراً يتوافق مع الرؤية الغربية للاستقرار السياسي العالمي، حيث تُقدس التضحية الشخصية طالما ظلت داخل حدود "العمل السياسي المؤسسي" أو التغيير المدني الذي لا يهدد مصالح القوى العظمى في المنطقة.

سوسيولوجيا الإرهاب: أحمد ياسين وتحدي السياق

في المقابل، يتم صبغ شخصيات مثل الشيخ أحمد ياسين بصفة "الإرهاب" في الخطاب الغربي المهيمن. هذا التصنيف ليس وصفاً مجرداً، بل هو أداة لاحتواء وتهميش جذور الصراع. إن التركيز الغربي على "الوسيلة" (المقاومة المسلحة) يتجاهل تعمداً "الغاية" (التحرر من الاحتلال). ومن خلال وسم القيادة الفلسطينية بالإرهاب، يتم تجريد الصراع الفلسطيني من بعده التاريخي (الاستعمار الاستيطاني) وتحويله إلى "مشكلة أمنية" أو "تطرف ديني"، مما يعفي المجتمع الدولي من التزاماته الأخلاقية والسياسية تجاه القضية، ويحول الشخصية إلى هدف مشروع للاغتيال، ليس فقط مادياً، بل رمزياً ومعنوياً في نظر الرأي العام العالمي.

فخ الازدواجية: لماذا يختلف الميزان؟

تُكشف هذه الازدواجية عن ثلاثة أبعاد جوهرية في صناعة السردية الغربية:

جيوسياسية المصالح: البطل هو كل من يخدم استقرار النظام العالمي القائم أو لا يهدده، بينما الإرهابي هو كل من يخلّ بتوازنات القوى القائمة (Status Quo) أو يواجه الحلفاء الاستراتيجيين للغرب.

أيديولوجية الوسائل: يقدس الإعلام الغربي الوسائل السلمية (حتى لو كانت فاقدة للفعالية في ظروف معينة) ويشيطن أي وسيلة عنفية، بغض النظر عن السياق الذي دفع الأفراد أو الشعوب لتبنيها كخيار أخير للوجود.

إعادة إنتاج السردية الاستعمارية: لا تزال هناك بقايا من "المركزية الأوروبية" التي تنظر بحذر إلى حركات التحرر التي تتبنى خطاباً دينياً أو غير غربي، بينما تُضفي شرعية أخلاقية على الحركات التي تتبنى شعارات "الديمقراطية" بمفهومها الغربي.

نحو قراءة نقدية للرموز

إن المقارنة بين أكينو وياسين لا تهدف إلى مساواة التجربتين في الظروف أو الأساليب، بل تهدف إلى كشف "الآلية" التي يتم من خلالها تسييس التاريخ. إن الإعلام المرموق اليوم مطالب بتجاوز دور "المراقب المنحاز" ليصبح "محللاً ناقداً"؛ فالإرهاب كصفة لا يمكن أن تكون مجرد أداة لإدانة الخصوم، والبطولة لا يجب أن تكون منحصرة فيمن يوافق هوى القوى المهيمنة.

إن التحرر من سطوة هذه السرديات يقتضي منا النظر إلى الشخصيات التاريخية كمنتجات لسياقاتها: فالمقاومة في مواجهة الديكتاتورية المحلية تختلف في طبيعتها عن المقاومة في مواجهة الاحتلال الأجنبي. إن فهم هذه الفوارق هو الخطوة الأولى لانتزاع الوعي من قبضة القوالب الجاهزة، والوصول إلى رؤية إنسانية شاملة لا تكيل بمكيالين، ولا تمنح صكوك "الشرعية" أو "الإدانة" بناءً على الهوية الجيوسياسية، بل بناءً على موازين العدالة والحق التاريخي.

مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات