في الظاهر، يبدو تدشين خط السكة الحديدية الرابط بين منجم غار جبيلات والجنوب الغربي الجزائري مجرد مشروع بنية تحتية ضخم: قطارات، سكك، خام حديد، واستثمارات بمليارات الدولارات. لكن خلف هذا المشهد التقني البارد تختبئ قصة أعمق بكثير؛ قصة تتعلق بإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية في شمال إفريقيا، وبالتحولات الصامتة في ميزان النفوذ بين الجزائر وفرنسا، وبالسؤال الأهم: لماذا لم يتحول حدث بهذا الحجم إلى “قصة إعلامية كبرى” في الغرب، وخاصة في فرنسا؟
السؤال هنا ليس عاطفيًا، ولا يتعلق بالرغبة في الاعتراف الخارجي بقدر ما يتعلق بفهم طبيعة النظام الإعلامي الدولي نفسه: كيف يختار ما يسلط عليه الضوء؟ ولماذا تصبح بعض المشاريع “رموزًا عالمية” بينما تمر أخرى بصمت شبه كامل رغم ثقلها الاستراتيجي؟
غار جبيلات: أكثر من مجرد منجم
يمثل مشروع غار جبيلات أحد أكبر الرهانات الاقتصادية في تاريخ الجزائر المعاصر. فالحديث لا يدور عن منجم عادي، بل عن احتياطي هائل من الحديد يُصنف ضمن الأكبر عالميًا، وعن مشروع يتطلب إعادة تشكيل فضاء صحراوي كامل عبر السكك الحديدية والطاقة والخدمات اللوجستية.
لكن الأهمية الحقيقية للمشروع ليست في الحديد وحده، بل في ما يرمز إليه سياسيًا واقتصاديًا:
انتقال الجزائر من منطق “الدولة الريعية الطاقوية” إلى محاولة بناء قاعدة صناعية ثقيلة.
إعادة دمج الجنوب الجزائري داخل الاقتصاد الوطني عبر البنية التحتية.
خلق محور اقتصادي جديد قد يمتد مستقبلًا نحو الساحل وغرب إفريقيا.
تقليل الاعتماد على الاستيراد في قطاع استراتيجي مثل الحديد والصلب.
بمعنى آخر، غار جبيلات ليس مشروع استخراج خامات فقط، بل محاولة لإعادة تعريف دور الجزائر داخل الاقتصاد الإقليمي.
لماذا بدا الإعلام الفرنسي باردًا؟
هنا تبدأ الزاوية الجيوسياسية الحقيقية.
من الصعب فهم العلاقة الإعلامية الفرنسية بالجزائر دون العودة إلى الخلفية التاريخية. فالجزائر بالنسبة للوعي السياسي الفرنسي ليست مجرد دولة متوسطية أخرى؛ إنها تمثل الجرح الاستعماري الأكبر والأكثر تعقيدًا في التاريخ الفرنسي الحديث.
لهذا السبب، لا تُقرأ النجاحات الجزائرية الكبرى داخل جزء من الفضاء الإعلامي الفرنسي باعتبارها “أخبارًا اقتصادية محايدة” فقط، بل كجزء من مسار تحرر طويل من المجال الفرنسي التقليدي.
والأهم أن الجزائر خلال السنوات الأخيرة لم تعد تتحرك ضمن المدار الفرنسي القديم:
تراجع النفوذ الثقافي والاقتصادي الفرنسي.
تنويع الشركاء نحو الصين وتركيا وروسيا والخليج.
تصاعد خطاب السيادة الاقتصادية.
مشاريع بنى تحتية تُدار بمنطق الدولة الوطنية الثقيلة، لا بمنطق الاندماج التابع في الاقتصاد الأوروبي.
كل هذا يجعل الجزائر أقل “قابلية للاستهلاك الإعلامي” داخل السردية الفرنسية التقليدية.
الإعلام لا يغطي ما هو مهم فقط… بل ما يناسب السردية
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية.
وسائل الإعلام الكبرى لا تعمل فقط وفق معيار الأهمية الموضوعية، بل وفق معيار “القصة القابلة للرواية”. أي أن الحدث يحتاج إلى أن ينسجم مع تصور مسبق لدى الجمهور.
في المخيال الإعلامي الغربي، وخاصة الفرنسي، غالبًا ما تُختزل الجزائر في ملفات:
الذاكرة الاستعمارية،
الهجرة،
الطاقة،
الأزمات السياسية،
أو التوترات الأمنية.
أما مشروع صناعي طويل النفس في قلب الصحراء يهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، فهو لا ينسجم بسهولة مع هذه الصورة الجاهزة.
وهنا يظهر التناقض:
قد يكون مشروع غار جبيلات أهم استراتيجيًا من عشرات الأحداث التي تحظى بضجيج إعلامي يومي، لكنه أقل “جاذبية سردية” بالنسبة للإعلام الباحث عن القصص السريعة والرموز السياسية المباشرة.
مقارنة المغرب والجزائر: اختلاف في فلسفة الحضور الإعلامي
غالبًا ما تُقارن التغطية الفرنسية للجزائر بتلك التي يحظى بها المغرب، لكن المقارنة هنا تحتاج إلى هدوء وتحليل بعيد عن الانفعال.
المغرب استثمر لعقود في بناء حضور ناعم داخل الفضاء الفرنسي:
علاقات ثقافية وإعلامية مكثفة،
لوبيات اقتصادية،
خطاب متصالح مع الغرب،
وتسويق مستمر لصورة “الشريك المستقر والمنفتح”.
في المقابل، تتحرك الجزائر بمنطق مختلف:
تركيز أكبر على السيادة السياسية،
حضور إعلامي دولي أقل احترافية،
وحذر واضح تجاه الفضاء الفرنسي تحديدًا.
هذا لا يعني أن أحد النموذجين “أفضل” مطلقًا، بل يعني أن لكل دولة فلسفة مختلفة في إدارة صورتها الخارجية.
لكن… هل ما زال الإعلام الفرنسي يحدد قيمة المشاريع؟
ربما هذا هو السؤال الأكثر أهمية.
في عالم التسعينيات وبداية الألفية، كان الاعتراف الإعلامي الغربي يشكل عنصرًا حاسمًا في صناعة الشرعية الاقتصادية الدولية. أما اليوم، فالعالم يتحول بسرعة:
المستثمر الصيني لا ينتظر افتتاحية في صحيفة فرنسية كي يقيّم مشروعًا.
صناديق الخليج تنظر إلى الجغرافيا والموارد والعائدات أكثر من السرديات الإعلامية.
حتى أوروبا نفسها أصبحت أكثر براغماتية تحت ضغط الطاقة والمعادن والتحولات الصناعية.
بمعنى آخر، هناك انفصال تدريجي بين “الضجيج الإعلامي” و”الثقل الاستراتيجي الحقيقي”.
ولهذا، قد يكون الصمت الإعلامي الفرنسي أقل أهمية مما يبدو لأول وهلة.
القوة الصامتة للدول
التاريخ يُظهر أن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إنتاج الخطاب، بل بقدرتها على إنتاج الوقائع المادية:
موانئ،
سكك حديدية،
طاقة،
معادن،
وقدرة لوجستية.
هذه الأشياء تتحول مع الوقت إلى نفوذ جيوسياسي حقيقي، حتى لو تجاهلتها العناوين مؤقتًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى غار جبيلات باعتباره جزءًا من تحول أعمق: محاولة الجزائر الانتقال من دولة تعتمد على تصدير الطاقة فقط إلى دولة تسعى لبناء ثقل صناعي ومعدني مستقل نسبيًا.
قد ينجح هذا المسار أو يتعثر، لكن مجرد محاولة بنائه بهذا الحجم تعني أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي.
الخلاصة: ما الذي يكشفه صمت الإعلام؟
ربما لا يكشف الصمت الإعلامي الفرنسي ضعف الحدث، بل العكس تمامًا.
فالمشاريع التي تعيد تشكيل موازين القوة الاقتصادية غالبًا ما تبدأ كأحداث “تقنية” تبدو مملة للإعلام العام، قبل أن تتحول لاحقًا إلى حقائق جيوسياسية يصعب تجاهلها.
غار جبيلات ليس مجرد منجم حديد. إنه اختبار لقدرة الجزائر على إعادة تعريف موقعها الاقتصادي خارج القوالب القديمة، واختبار أيضًا لقدرة العالم على قراءة التحولات الجديدة بعيدًا عن إرث السرديات الاستعمارية التقليدية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو:
“لماذا لم يتحدث الإعلام الفرنسي كثيرًا عن غار جبيلات؟”
بل:
“هل ما زلنا نعيش أصلًا في عالم يملك فيه الإعلام الفرنسي وحده سلطة تحديد أهمية الأحداث؟”