تُمثل اللحظة الحداثية منعطفاً إبستمولوجياً جذرياً في تاريخ الفكر الغربي، حيث لم يكن ظهور العلوم الإنسانية مجرد تراكم معرفي ناتج عن تطوير أدوات العقلانية، بل كان ثمرةً لإعادة صياغة "شروط إمكانية" حضور الإنسان داخل أنساق المعرفة. فبينما كانت الميتافيزيقا الكلاسيكية تتعالى على الكائن الإنساني، أزاح الخطاب الحداثي هذا التعالي ليُحول الإنسان –لأول مرة– إلى موضوعٍ قابلٍ للمساءلة والتمثّل المعرفي؛ إذ لم تنبثق هذه العلوم نتيجة مأزقٍ منهجي صرف، بل ولدت حينما بات الإنسان ذاته هو "ما يجب التفكير فيه".
لقد دشّن هذا التحول ولادة الخطاب الأنثروبولوجي، الذي استبدل جوهرانية "الإنسان العاقل" (Homo Sapiens) بفاعلية "الإنسان العامل" (Homo Faber). لم يعد الإنسان في هذا الأفق ذاتاً تأملية مفرطة في التجريد، بل غدا ذاتاً متكلمة ومُنتجة للمعنى من خلال ممارساتها المتعيّنة. إن هذا الانزياح المعرفي يمثل قطيعة مع خطاب "التمثّل" الميتافيزيقي، لصالح خطاب حداثي يرفض استقراء اللامتناهي، مفضلاً الانكفاء على "المتناهي" بوصفه الميدان الخصب للمعرفة التجريبية الوضعية.
وتكمن المفارقة التأسيسية هنا في أن الحداثة، بوعودها الأنثروبولوجية المتمردة، قد حبست الفكر داخل دائرة التناهي؛ حيث لم تعد الحقيقة غايةً مُفارقة، بل أضحت "معطىً" يتم رصده في قلب الوجود الإنساني المحدود. إن تحول الإنسان إلى "ذاتٍ موضوعة" في نظام المعرفة، قد أحلّ النسبيّ والوضعيّ محلّ المطلق، مما خلق "حدثاً" إبستمولوجياً غيّر بنية الفكر الغربي؛ فبموجب هذا الميثاق الجديد، لم تعد المعرفة الإنسانية تنظر إلى نفسها كإدراكٍ لجوهرٍ سرمدي، بل ككشفٍ لآليات اشتغال الذات في أشكال عينية ومحدودة.
وعليه، فإن العلوم الإنسانية لا تُعدُّ مجرد أدوات لتحصيل المعرفة، بل هي انعكاس لمحاولة الحداثة إيجاد "حقيقة للإنسان" داخل حدود تاريخه المادي. لقد جعلت الأنثروبولوجيا من وعي الإنسان بذاته مشروعاً يتجاوز مجرد التوصيف، ليمتد إلى وعيٍ بالقيم والموضع، مما يجعل من هذه العلوم –في طموحها وفي وعودها– المرآة التي يحاول فيها الإنسان، أخيراً، أن يرى ملامح ذاته المتناهية في صمت اللانهائي.
- مستوحى من المفارقات النقدية التي طرحها فلاسفة ما بعد الحداثة (مثل ميشيل فوكو في كتابه "الكلمات والأشياء")