الجزائر والهيدروجين: هل تقف الدولة الغازية الكبرى على أعتاب تحول تاريخي في سوق الطاقة العالمي؟

 لعقود طويلة، ارتبط اسم الجزائر بالغاز الطبيعي أكثر من أي مورد آخر. فقد بُني جزء معتبر من وزنها الجيوسياسي، وعلاقاتها مع أوروبا، وحتى توازناتها المالية الداخلية، على كونها أحد أهم موردي الغاز في حوض المتوسط. لكن العالم اليوم يقف أمام منعطف طاقوي جديد، قد يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية لعقود قادمة: عصر الهيدروجين.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الهيدروجين سيصبح جزءاً من مستقبل الطاقة، بل: من هي الدول التي ستنجح في احتلال موقع مركزي داخل هذا الاقتصاد الجديد؟ وهنا تبرز الجزائر كحالة مثيرة للاهتمام، وربما كواحدة من أكثر الدول التي تجمع بين الفرصة التاريخية والخطر الاستراتيجي في آن واحد.

من الغاز إلى الهيدروجين: انتقال بين عصرين

لفهم أهمية الموضوع، يجب أولاً إدراك أن الهيدروجين ليس مجرد “وقود جديد”، بل محاولة عالمية لإعادة بناء النظام الصناعي والطاقة الثقيلة على أسس منخفضة الانبعاثات.

فالغاز الطبيعي، رغم كفاءته العالية، أصبح مرتبطاً سياسياً واقتصادياً بمشكلة الانبعاثات الكربونية. أوروبا، أكبر زبون تقليدي للجزائر، تسير تدريجياً نحو تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري، ليس فقط لأسباب بيئية، بل أيضاً لأسباب جيوسياسية ظهرت بوضوح بعد أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.

في هذا السياق، أصبح الهيدروجين يُقدَّم باعتباره “الغاز الاستراتيجي الجديد” للقرن الحادي والعشرين.

لكن المشكلة الجوهرية أن الهيدروجين ليس مادة تُستخرج مباشرة من الأرض مثل الغاز أو النفط، بل طاقة مُصنَّعة، أي أن قيمته الاقتصادية تعتمد على تكلفة إنتاجه ونقله أكثر من اعتماده على وجود احتياطات طبيعية فقط.

وهنا تبدأ المعادلة الجزائرية المعقدة.

ألوان الهيدروجين: اقتصاد مختلف خلف كل لون

يُقسَّم الهيدروجين عادة إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

الهيدروجين الرمادي: يُنتج من الغاز الطبيعي دون احتجاز الكربون، وهو الأرخص عالمياً، بسعر يقارب 1–2 دولار للكيلوغرام.

الهيدروجين الأزرق: يعتمد أيضاً على الغاز الطبيعي، لكن مع تقنيات احتجاز الكربون، وتتراوح تكلفته بين 2–3 دولارات للكيلوغرام.

الهيدروجين الأخضر: يُنتج عبر التحليل الكهربائي باستخدام الطاقة المتجددة، وتصل تكلفته حالياً إلى 3–7 دولارات للكيلوغرام في أغلب الأسواق.

هذه الأرقام تكشف حقيقة مهمة غالباً ما تُغفل في الخطاب الإعلامي:

الهيدروجين الأخضر ما يزال أغلى بكثير من الغاز الطبيعي من حيث الطاقة المكافئة.

بمعنى آخر، العالم لا ينتقل إلى الهيدروجين لأنه الأرخص، بل لأنه قد يصبح ضرورة سياسية وبيئية وصناعية مستقبلاً.

لماذا تملك الجزائر فرصة حقيقية؟

رغم أن الحديث عن “اقتصاد الهيدروجين” أصبح موضة عالمية، إلا أن عدداً قليلاً فقط من الدول يملك فعلاً المقومات البنيوية للتحول إلى لاعب كبير فيه. الجزائر واحدة من هذه الدول لعدة أسباب متداخلة.

أولاً: وفرة الغاز الطبيعي

الهيدروجين الأزرق يحتاج إلى غاز طبيعي رخيص، والجزائر تمتلك أحد أكبر احتياطات الغاز في إفريقيا والمتوسط. هذا يمنحها ميزة انتقالية مهمة، لأن الهيدروجين الأزرق قد يشكل الجسر الواقعي قبل وصول الهيدروجين الأخضر إلى أسعار تنافسية.

بمعنى آخر، الجزائر تستطيع دخول سوق الهيدروجين بسرعة نسبية دون انتظار ثورة تكنولوجية كاملة في الطاقات المتجددة.

ثانياً: الجغرافيا

المسافة بين الجزائر وأوروبا ليست مجرد عامل جغرافي، بل ميزة اقتصادية ضخمة.

فأحد أكبر مشاكل الهيدروجين عالمياً هو النقل. نقل الهيدروجين أكثر تعقيداً وكلفة من نقل الغاز الطبيعي، ما يجعل الدول القريبة من الأسواق الصناعية الكبرى في وضع أفضل بكثير من المنافسين البعيدين.

الجزائر هنا لا تنافس أستراليا أو تشيلي أو دول الخليج فقط، بل تنافسها من موقع أقرب جغرافياً إلى القلب الصناعي الأوروبي.

ثالثاً: البنية التحتية القائمة

تمتلك الجزائر شبكة أنابيب غاز وموانئ تصدير وخبرة طويلة في عقود الطاقة العابرة للمتوسط. وهذه نقطة حاسمة.

لأن بناء اقتصاد هيدروجين من الصفر يتطلب استثمارات هائلة في النقل والتخزين والتصدير. بينما تستطيع الجزائر نظرياً إعادة توظيف جزء من بنيتها الغازية الحالية لنقل الهيدروجين أو مزجه بالغاز الطبيعي.

وهذا قد يخفض كثيراً من تكاليف الدخول إلى السوق.

رابعاً: الإمكانات الشمسية

الصحراء الجزائرية ليست مجرد مساحة جغرافية ضخمة، بل أحد أكبر الاحتياطات الشمسية غير المستغلة في العالم.

وفي حال نجحت الجزائر في بناء بنية تحتية كهربائية وصناعية ضخمة للطاقة الشمسية، فقد تتحول مستقبلاً إلى منتج تنافسي للهيدروجين الأخضر، خاصة مع انخفاض تكاليف التحليل الكهربائي والطاقة المتجددة عالمياً.

لكن أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

رغم كل هذه المزايا، فإن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة النجاح الاقتصادي.

التاريخ مليء بدول امتلكت موارد استراتيجية لكنها فشلت في تحويلها إلى قوة صناعية مستدامة. والتحدي الحقيقي للجزائر ليس إنتاج الهيدروجين فقط، بل بناء منظومة اقتصادية كاملة حوله.

هناك أربعة تحديات جوهرية:

1. تكلفة الاستثمار

اقتصاد الهيدروجين يحتاج إلى رؤوس أموال هائلة، وتقنيات معقدة، وشراكات صناعية طويلة الأمد. الحديث هنا ليس عن مشاريع استخراج تقليدية، بل عن إعادة تشكيل منظومة الطاقة والصناعة والنقل.

2. المنافسة العالمية

دول الخليج، أستراليا، المغرب، تشيلي، وحتى ناميبيا، كلها تسعى بقوة لدخول السوق نفسها.

بعض هذه الدول يملك تمويلاً أكبر، وبعضها يملك استقراراً تنظيمياً أكثر جاذبية للمستثمرين.

3. خطر إعادة إنتاج الاقتصاد الريعي

الخطر الأكبر أن يتحول الهيدروجين إلى “نسخة جديدة من الاقتصاد الغازي”، أي تصدير مادة خام دون بناء قاعدة صناعية حقيقية.

القيمة الكبرى في اقتصاد الهيدروجين مستقبلاً قد لا تكون في بيع الهيدروجين الخام فقط، بل في الصناعات المرتبطة به:

الفولاذ الأخضر

الأسمدة منخفضة الكربون

الكيمياء الصناعية النظيفة

الوقود الصناعي للطيران والنقل البحري

إذا بقيت الجزائر مجرد مصدر للمادة الأولية، فقد تعيد إنتاج النموذج الريعي نفسه بصيغة جديدة.

4. معركة الزمن

العالم يعيش حالياً مرحلة “سباق التموضع”. الدول التي تبني مبكراً البنية التحتية والعقود والتحالفات قد تحتكر أجزاء كبيرة من السوق المستقبلية.

وفي أسواق الطاقة، الوصول المبكر غالباً أهم من امتلاك أفضل الموارد فقط.

هل يمكن للهيدروجين أن يعيد تعريف دور الجزائر الجيوسياسي؟

ربما هذا هو السؤال الأهم.

إذا نجحت الجزائر في التحول إلى مركز إقليمي للهيدروجين والطاقة النظيفة، فقد لا يقتصر الأمر على زيادة العائدات الاقتصادية، بل قد يعيد تشكيل موقعها داخل المتوسط وإفريقيا وأوروبا.

لأن الطاقة ليست مجرد سلعة، بل أداة نفوذ طويلة المدى.

في القرن العشرين، بنت دول نفوذها عبر النفط والغاز.

وفي القرن الحادي والعشرين، قد تُبنى التحالفات الجديدة حول الكهرباء والهيدروجين والمعادن الاستراتيجية.

الجزائر تملك فرصة نادرة للانتقال من “مورد طاقة تقليدي” إلى “فاعل استراتيجي في اقتصاد الطاقة القادم”. لكن هذه الفرصة لن تُحسم بالموارد وحدها، بل بسرعة بناء الرؤية الصناعية، وكفاءة الإدارة، وقدرة الدولة على الانتقال من عقلية تصدير المواد الخام إلى عقلية بناء المنظومات الاقتصادية المعقدة.

وهنا تحديداً سيتقرر ما إذا كان الهيدروجين سيكون مجرد فصل جديد في الريع الطاقوي… أم بداية تحول تاريخي أعمق في الاقتصاد الجزائري.

مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات