ما وراء الذاكرة المعلبة: في نقد "الاستثنائية التاريخية" واحتكار الألم

 في الفضاء العام المعاصر، ثمة "محرمات" فكرية تفرضها سرديات المركزية الغربية، حيث يتم التعامل مع التاريخ لا كساحة للبحث الموضوعي، بل كـ "دين مدني" له طقوسه الخاصة. وفي قلب هذه الطقوس، تحتل "المحرقة" (الهولوكوست) مكانة متعالية، حيث تُقدم كحدث كوني استثنائي يُحظر تشريحه أو مقارنته بغيره، لتصبح "مقياساً أخلاقياً" يُستخدم لإعادة ترتيب الضمير العالمي، أو بالأحرى، لابتزازه.

الاستعمار والهولوكوست: سياق الإبادة المنسي

إن المحاولات المحمومة للفصل بين "الهولوكوست" كجريمة فريدة، وبين التاريخ الطويل من الإبادات الاستعمارية—سواء ضد الهنود الحمر في أمريكا أو الشعوب في أفريقيا وآسيا—ليست بريئة. إنها تعكس "انتقائية أخلاقية" تهدف إلى ترسيخ هرمية للضحايا؛ حيث تبدو حياة الشعوب التي أُبيدت على يد القوى الاستعمارية الغربية في سياق "التمدن" و"الاستيطان" أقل قيمة، أو ربما "ثانوية" مقارنة بالمعاناة التي مُنحت صبغة الأبدية التاريخية. أليس من النفاق أن نُجرم أيديولوجيا هتلر كخروج عن المسار الإنساني، بينما نعتبر إبادات الهنود الحمر مجرد "حوادث جانبية" لمسيرة الحضارة الغربية؟

نابليون وهتلر: معايير مزدوجة في ميزان "الشر"

يطرح التاريخ مفارقة مدهشة: لماذا يُحتفى بنابليون بونابرت كبطل مؤسس للدولة الحديثة، رغم حروبه التوسعية ودوره في إثقال كاهل أوروبا بالدماء، بينما يُختزل هتلر في كونه "شرّاً مطلقاً"؟ الحقيقة التي يغفلها الإعلام السائد هي أن "الشر" في القاموس السياسي المعاصر لا يُقاس بحجم الدمار بقدر ما يُقاس بـ "من هو الخصم".

لقد ارتكب هتلر خطيئته الكبرى ليس فقط في الحرب، بل في اصطدامه المباشر مع القوى المهيمنة التي تعيد اليوم صياغة التاريخ وفق مصالحها. إن تجريم إرث هتلر الممنهج عبر القوانين والإعلام لا يهدف فقط إلى الحفاظ على ذكرى الضحايا—الذين نجلّ معاناتهم—بل يهدف إلى تكريس "امتياز الضحية" كأداة ضغط سياسي عالمي، تمنح حصانة مطلقة لأي كيان يتبنى تلك الرواية، حتى وإن مارس هو نفسه سياسات التطهير والاحتلال في فلسطين وغزة.

صناعة "الضحية الأبدية" وأدوات الابتزاز

إن القول بأننا نعيش في ظل "سردية صهيونية" تهيمن على الخطاب التاريخي ليس مجرد نظرية مؤامرة، بل هو واقع يلمسه كل مراقب لآليات العمل السياسي في الغرب. إن استغلال ذكرى المحرقة لابتزاز صناع القرار، وتوظيفها كصك براءة لشرعنة الانتهاكات المعاصرة، حوّل التاريخ من معلم للدروس الإنسانية إلى "سلاح أيديولوجي".

إن الذين يرفعون شعار "لن يتكرر ذلك أبداً" تجاه اليهود، هم أنفسهم من يغضون الطرف—أو يشاركون—في صمت مريب أمام ما يحدث للفلسطينيين. هذا التناقض يكشف أن الهدف ليس "حقوق الإنسان"، بل "استدامة الهيمنة". إنهم لا يبكون على الضحايا بقدر ما يبكون على ضياع أداة "الاحتكار الأخلاقي" التي يمتلكونها.

نحو قراءة نقدية للذاكرة

إن المهمة الفكرية اليوم تقتضي كسر هذه الحواجز المعرفية. التاريخ لا يملك "أصناماً" محصنة من النقد. إن مراجعة التجربة النازية، وفهم كيف استُخدمت أفكار نيتشه أو كيف تم التلاعب بالهوية الألمانية، لا يعني بالضرورة تبني أفكار هتلر، بل يعني استعادة الحق في التفكير الحر بعيداً عن "الوصاية الإعلامية".

إن العدالة الإنسانية لا تتجزأ؛ فإما أن نحترم أرواح ضحايا الاستعمار، وضحايا الحروب، وضحايا المحرقة، وضحايا التطهير العرقي في فلسطين، ضمن ميزان واحد، وإما أن نعترف بأننا نعيش في عالم يفرض فيه المنتصر—أو من يملك آلة الإعلام—تعريفه الخاص للبطولة وللإجرام.

حان الوقت لخلع صفة "القداسة" عن السرديات المفروضة، والبدء بقراءة التاريخ كوثيقة إنسانية مفتوحة، لا كأداة في يد النخب التي تقتات على دماء الماضي لتبرير خطايا الحاضر.

مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات