في حياة كثير من الناس تتكرر ظاهرة تبدو بسيطة ظاهريًا، لكنها تخفي وراءها ديناميكيات نفسية عميقة:
ينغمس الفرد بحماس هائل في نشاط معين — لعبة فيديو، القراءة، الرياضة، صناعة المحتوى، مشروع فكري — ثم بعد أيام أو أسابيع أو أشهر، يتلاشى ذلك الشغف فجأة كما لو أن جذوته انطفأت بالكامل.
بعدها مباشرة تقريبًا، يولد شغف جديد تجاه نشاط مختلف، فيبدأ الانغماس من جديد، قبل أن تتكرر الدورة مرة أخرى.
هذه الظاهرة ليست مجرد “ملل” عابر، كما تُختزل أحيانًا، بل قد تكون إحدى السمات النفسية الأكثر تعبيرًا عن الإنسان المعاصر، خاصة في عصر السرعة والتحفيز المستمر.
الشغف ليس ثابتًا بطبيعته
تميل الثقافة الشعبية إلى تصوير الشغف باعتباره حالة مستقرة وطويلة الأمد، وكأن الإنسان الحقيقي هو من يعثر على اهتمام واحد ويتمسك به طوال حياته دون تذبذب.
لكن علم النفس الحديث يرسم صورة أكثر تعقيدًا.
فالشغف في كثير من الأحيان ليس حالة مستقرة، بل موجة عصبية-نفسية مرتبطة بعوامل عدة:
الجِدة
الاكتشاف
الشعور بالتقدم
التحدي
الإحساس بالهوية
عندما يبدأ الإنسان نشاطًا جديدًا، يتعامل الدماغ معه كأرض مجهولة مليئة بالمكافآت المحتملة. هنا يرتفع إفراز الدوبامين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالتوقع والتحفيز والرغبة.
لكن المفارقة المهمة أن الدوبامين لا يرتبط بالامتلاك بقدر ما يرتبط بالسعي.
بمعنى آخر:
الدماغ يستمتع أكثر بمطاردة الشيء من امتلاكه.
ولهذا، بعد الوصول إلى مرحلة متقدمة في اللعبة، أو بعد الاعتياد على القراءة اليومية، أو بعد اكتساب خبرة أولية في صناعة المحتوى، يبدأ عنصر الاكتشاف بالانخفاض تدريجيًا، فيتراجع الحماس حتى وإن ظل النشاط نفسه ممتعًا موضوعيًا.
الإنسان الذي يبحث عن «ذروة الشعور»
بعض الشخصيات تتعامل مع الأنشطة بوصفها مجرد وسائل ترفيه، بينما هناك نمط آخر من البشر يبحث — بوعي أو دون وعي — عن حالة نفسية محددة:
حالة الاشتعال الداخلي.
هذا النمط لا ينجذب فقط إلى النشاط ذاته، بل إلى:
شعور البداية
لذة التعلم السريع
الإحساس بالتقدم
التورط الكامل في تجربة جديدة
إنه لا يحب الأشياء بقدر ما يحب “الاندفاع” الذي تولده.
لهذا نلاحظ أن بعض الأشخاص:
يلعبون ألعاب الفيديو لساعات طويلة ثم يهجرونها فجأة
يقرؤون بنهم ثم يتوقفون تمامًا
يطلقون مشاريع إبداعية بحماس هائل ثم يفقدون الاهتمام بها بسرعة
في الظاهر يبدو الأمر تقلبًا أو عدم نضج، لكن في العمق قد يكون تعبيرًا عن عقل شديد الحساسية للتحفيز.
منطق «الاقتحام» بدل «الاستمرارية»
ثمة فرق نفسي مهم بين شخص يحب الاقتحام، وآخر يحب الاستقرار.
الشخص الأول يعيش على:
الحماس
التحدي
الإقلاع
البدايات
بينما الثاني يجد راحته في:
التكرار
البناء البطيء
الروتين المستقر
المشكلة أن المجتمعات الحديثة تكافئ غالبًا النمط الثاني:
الوظيفة المستقرة، المشروع طويل الأمد، التخصص الواحد، العادة اليومية الصلبة.
أما أصحاب العقول “الاقتحامية” فيجدون أنفسهم في صراع دائم مع ذواتهم، لأن طاقتهم النفسية مصممة للانطلاق أكثر من المحافظة.
ولهذا قد يشعر بعضهم مع مرور السنوات أنهم يدورون في حلقات:
شغف، اندماج، احتراق، انطفاء، ثم ولادة شغف جديد.
هل هذه الظاهرة مرض نفسي؟
في معظم الحالات: لا.
بل إنها شائعة نسبيًا، خصوصًا لدى:
الأشخاص ذوي الفضول المرتفع
العقول التحليلية
الشخصيات الإبداعية
من يمتلكون قابلية “التركيز المفرط” (Hyperfocus)
لكن في بعض الحالات قد تتقاطع هذه الظاهرة مع سمات مرتبطة باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط Attention Deficit Hyperactivity Disorder، خاصة عندما تكون مصحوبة بـ:
صعوبة مزمنة في إكمال المشاريع
تشتت شديد
اندفاع متكرر نحو اهتمامات جديدة
ملل حاد من أي نشاط روتيني
مع ذلك، من المهم التمييز بين “النمط الشخصي” و”الاضطراب المرضي”.
فالانتقال بين الاهتمامات لا يعني تلقائيًا وجود مشكلة نفسية.
الإنسان المعاصر وإدمان الجِدة
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن العصر الرقمي.
فالإنسان اليوم يعيش وسط اقتصاد كامل قائم على خطف الانتباه:
ألعاب تُكافئ التقدم السريع
منصات فيديو قصيرة
محتوى لا نهائي
إشعارات وتحفيز مستمر
هذا الواقع جعل الدماغ أكثر اعتيادًا على:
التنقل
التجديد
المكافآت السريعة
وبالتالي أصبح تحمل “مرحلة البطء” أصعب من السابق.
المفارقة أن الإبداع الحقيقي، والإتقان العميق، والإنجازات الكبيرة، لا تولد في مرحلة الحماس الأولى، بل بعد انطفائها.
هناك نقطة نفسية حاسمة ينسحب عندها كثير من الناس:
عندما يتحول الشغف من إثارة ممتعة إلى ممارسة هادئة طويلة الأمد.
المشكلة الحقيقية ليست التنقل… بل غياب التراكم
التنقل بين الاهتمامات ليس بالضرورة ضعفًا.
أحيانًا يكون علامة على عقل حي ومتعدد الاهتمامات.
لكن الخطر يبدأ عندما تمر السنوات دون تراكم حقيقي:
مشاريع تبدأ ولا تُستكمل
مهارات تُكتسب جزئيًا ثم تُترك
أفكار تُولد ثم تموت قبل النضج
هنا يتحول الشغف من طاقة بناء إلى دائرة استنزاف نفسي.
كيف يتحول هذا النمط إلى قوة؟
الحل لا يكمن غالبًا في “قتل” حب التجديد، بل في تعلم مهارة مختلفة:
الاستمرار بعد انتهاء النشوة الأولى.
أي الانتقال من:
العمل بدافع الحماس
إلى:
العمل بدافع المعنى والانضباط
فالإنسان الذي يفهم طبيعة دماغه يستطيع أن يستثمر دورات الشغف بدل أن يصبح أسيرًا لها.
يمكن مثلًا:
التنقل بين مشاريع متعددة دون التخلي الكامل عن أي منها
تقسيم الأهداف إلى مراحل قصيرة للحفاظ على التحفيز
قبول أن فتور الحماس ليس علامة فشل، بل مرحلة طبيعية
بناء عادات تستمر حتى عندما يختفي الشعور بالإثارة
خاتمة
ربما لا تكمن المشكلة في أن الشغف يتبخر، بل في التصور الرومانسي الخاطئ عن الشغف نفسه.
فالحياة النفسية للإنسان ليست خطًا مستقيمًا، بل موجات متعاقبة من الانجذاب والانطفاء وإعادة الاكتشاف.
وبينما يرى البعض في هذه الدورات علامة على التشتت، قد تكون في أحيان كثيرة تعبيرًا عن عقل يرفض الجمود، ويبحث باستمرار عن الإحساس بالحياة.
لكن النضج الحقيقي يبدأ عندما يدرك الإنسان أن القيمة الكبرى لا تولد دائمًا في لحظة الاشتعال الأولى…
بل في القدرة على مواصلة السير بعد أن تهدأ النار.