المقارنة الظالمة : الجزائر - كوريا الجنوبية ، معادلة التنمية المتعثرة

 

لو سألت خبيراً اقتصادياً عن سرّ تأخر الجزائر في بناء اقتصاد منتج خارج نطاق المحروقات، لأجابك بخطاب جاهز عن البيروقراطية والقطاع الخاص المُقيّد وغياب الإصلاح. والإجابة صحيحة — لكنها ناقصة. ناقصة لأنها تتجاهل السياق الأعمق الذي لا يظهر في جداول البيانات ولا في تقارير صندوق النقد الدولي. سياق يبدأ بسؤال بسيط: لماذا نجحت كوريا ولم تنجح مصر؟ ولماذا تُصدّر تونس الصغيرة بما يفوق الجزائر ثلاثة أضعاف، رغم أن الجزائر تملك من الموارد ما لا تحلم به تونس؟

أولاً — الأرقام التي تطرح أسئلة أكبر منها

في عام 2025، تجاوزت صادرات الجزائر خارج قطاع المحروقات حاجز أربعة مليارات دولار خلال الأشهر التسعة الأولى، بارتفاع ناهز ستة وعشرين بالمئة مقارنة بالعام الذي سبقه. وفي مطلع 2026، واصلت هذه الصادرات منحاها التصاعدي بنمو بلغ ستة عشر بالمئة خلال الثلاثي الأول. أرقام تبدو لافتة، وتستحق الإشادة فعلاً — لكنها تبدو شاحبة حين تضعها جنب أرقام تونس، الدولة التي لا يتجاوز عدد سكانها ربع سكان الجزائر، ولا تملك قطرة نفط واحدة، ومع ذلك تُصدّر ما يقترب من ثمانية عشر مليار دولار سنوياً.

هذا التناقض الصارخ بين الإمكانيات والنتائج هو نقطة البداية الحقيقية لأي تحليل جاد.

ثانياً — لعنة النعمة

ثمة ظاهرة يُسمّيها الاقتصاديون “لعنة الموارد” — وهي باختصار أن الدول الغنية بالثروات الطبيعية تميل إلى التراجع لا التقدم في مسار التنمية الصناعية. والجزائر مثال كلاسيكي على هذه الظاهرة، لكن بأبعاد أعمق مما تصفه النظرية الاقتصادية الجافة.

حين يُوفّر النفط والغاز دخلاً ثابتاً ومضموناً، تتراجع الحاجة الملحّة إلى بناء صناعة تحويلية حقيقية. المواطن يحصل على دعم حكومي، والدولة تحصل على عملة صعبة، والمؤسسة العمومية تحصل على عقود — وكل هذا بدون أن يضطر أحد إلى المخاطرة بالتصدير والمنافسة الدولية. تونس لم تملك هذا الترف، فكان “التصدير أو الموت” شعاراً غير معلن يُحرّك اقتصادها منذ عقود. لكن ثمة مفارقة مؤلمة هنا: تونس تُصدّر كثيراً، لكنها تعاني اقتصادياً بشكل مزمن. فلمن تذهب ثمار هذا التصدير؟

ثالثاً — حين يكون التصدير ليس لك

الصادرات التونسية والمغربية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بنموذج وصفه المنتقدون بـ”التصنيع بالمناولة”. شركة أوروبية تُنشئ مصنعاً في تونس، تستفيد من العمالة الرخيصة والإعفاءات الضريبية والقرب الجغرافي من السوق الأوروبية، وتُصدّر منتجاتها عبر تونس إلى أوروبا — فتُحتسب هذه الصادرات في الميزان التجاري التونسي، لكن الربح الحقيقي يعود إلى باريس ومدريد وميلانو.

وهذا يُفسّر التناقض العجيب في ميزان تونس والمغرب مع الاتحاد الأوروبي — فرغم “التعاون” العميق، يسجل كلا البلدين عجزاً تجارياً هيكلياً مزمناً مع الشريك الأوروبي. يستوردان منه أكثر مما يُصدران إليه. الأسواق المفتوحة فُتحت في الاتجاهين، لكن الاستثمارات والتكنولوجيا والقرار بقيت في الاتجاه الواحد.

الجزائر رأت هذه المعادلة وقرأتها بعين مختلفة. وهنا يبدأ الفصل الأعمق من هذه القصة.

رابعاً — السيادة ليست كلمة فارغة

حين يتحدث المسؤولون الجزائريون عن “السيادة الاقتصادية”، يميل بعض المحللين إلى تفسير ذلك باعتباره خطاباً أيديولوجياً يُخفي عجزاً عن الإصلاح. لكن هذا الحكم المتسرع يغفل سياقاً تاريخياً ثقيلاً لا يمكن تجاهله.

الجزائر أمة خرجت من حرب استقلال طاحنة امتدت سبع سنوات ونيّفاً، وشهدت من التدمير الممنهج ما ندر نظيره في التاريخ الحديث. ثم شهدت في التسعينيات عشرية دموية اقترن فيها الإرهاب الداخلي بضغوط خارجية وتدخلات في الشأن الداخلي لم تكن خافية على أحد. ثم رأت بأم عينها ما آل إليه جيرانها: العراق الذي كان يبني صناعة حقيقية في السبعينيات والثمانينيات — وانتهى إلى دولة مُفككة. وليبيا التي حاولت لعبة التوازن بين التقرب من الغرب والحفاظ على الاستقلالية — وانتهت إلى حرب أهلية مستمرة.

في ضوء هذا التاريخ، يبدو التمسك بالسيادة الاقتصادية ليس عناداً بل ذاكرة. ذاكرة أن الانفتاح بدون قوة يُفضي إلى تبعية، وأن التبعية الاقتصادية كثيراً ما تُمهّد الطريق لأشكال أخرى من التدخل.

خامساً — المعجزة الكورية والحقيقة المُخفاة

في كل نقاش عن التنمية في العالم النامي، لا بد من أن تطلع كوريا الجنوبية كنموذج يُحتذى. وهذا الاستشهاد صحيح — لكنه يصبح مُضلّلاً حين يغفل السياق الجيوسياسي الذي جعل المعجزة الكورية ممكنة.

كوريا الجنوبية نجحت في فترة الحرب الباردة، حين كانت واشنطن تحتاج إلى نموذج رأسمالي ناجح وبرّاق في مواجهة الجارة الشيوعية في الشمال. فدفعت الولايات المتحدة ثمن هذا النجاح بسخاء غير مسبوق: وصول شبه مجاني إلى السوق الأمريكية، نقل تكنولوجي حقيقي، تحمّل كامل تكلفة الدفاع العسكري، وقروض ومساعدات في لحظات الأزمة. والأهم من كل ذلك: السماح لكوريا بحماية صناعتها الناشئة وانتهاك قواعد “التجارة الحرة” التي تفرضها واشنطن اليوم على دول الجنوب — مع غضّ الطرف الكامل عن هذه الانتهاكات.

تايوان واليابان وتركيا — وإن بأشكال مختلفة — نجحت ضمن المنطق ذاته. كلها كانت في المكان الاستراتيجي الصحيح في اللحظة التاريخية الصحيحة. كلها كانت تُمثّل قيمة جيوسياسية عليا للقوى الكبرى فدفعت هذه القوى ثمن نجاحها.

أما تونس والمغرب ومصر، فقد دخلت الفلك الغربي بشروط مختلفة تماماً، حيث لم يكن المطلوب بناء قوى صناعية منافسة، بل أسواق مستهلكة وعمالة رخيصة. فنجحت في الاندماج، لكن اندماجاً لم يُنتج سيادة اقتصادية بل عمّق التبعية في صورتها الحديثة.

سادساً — تركيا: استثناء يستحق التأمل

تركيا تقف وحدها في هذا السياق باعتبارها النموذج الأكثر تعقيداً والأكثر إثارة. فهي استفادت من الغطاء الغربي — العضوية في الناتو، الاتحاد الجمركي مع أوروبا، الدعم في لحظات الأزمة — لكنها لم تُسلّم استقلاليتها في المقابل.

اشترت منظومة S-400 الروسية رغم ضغط الناتو. أبقت علاقاتها مع موسكو وطهران وبكين مفتوحة. وحوّلت أوراقها الجيوسياسية — موقعها الجغرافي، ملف اللاجئين، السيطرة على مضيق البوسفور — من ورقة دفاعية إلى ورقة ابتزاز منظّم تنتزع من خلالها امتيازات اقتصادية وتكنولوجية.

لكن تركيا نجحت في هذه اللعبة لأنها كانت تملك شيئاً لا تملكه الجزائر: قطاعاً خاصاً عملاقاً ومستقلاً — كوتش وصابانجي وبيكار — قادراً على المنافسة الدولية بمنطقه الخاص، بعيداً عن الوصاية الحكومية. وكانت تملك جامعات هندسية تُغذّي الصناعة بالكفاءات. وكانت تملك ثلاثة عقود من البناء الصناعي الصبور قبل أن تُثمر.

الجزائر تُدرك هذا النموذج وتطمح إليه — لكنها لم تبنِ بعد القاعدة التي تجعله ممكناً.

سابعاً — الجزائر بين عقليتين

هنا يكمن جوهر المعضلة. الجزائر تعيش توتراً حقيقياً بين عقليتين لا تلتقيان بسهولة:

عقلية الصمود التي أنقذتها من مصير العراق وليبيا، وجعلت الدولة قائمة متماسكة رغم كل العواصف. وهي عقلية تقول: احمِ ما عندك، لا تُغامر بالسيادة، ثق في الدولة أكثر مما تثق في القطاع الخاص المرتبط بالخارج.

عقلية البناء التي تستدعيها ضرورة ما بعد المحروقات، وتقول: خاطر، انفتح، ابنِ قطاعاً خاصاً مستقلاً، أدمج الاقتصاد في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

المشكلة أن هذين المنطقين لا يجتمعان في خطاب واحد منسجم. والوضع الأمني في المحيط الجزائري — مالي والنيجر وليبيا والتوترات مع المغرب — لا يزال يُرجّح كفة عقلية الصمود على عقلية البناء.

ثامناً — نافذة زمنية تضيق

الحجة الأكثر شيوعاً في تبرير التأخر الجزائري هي انتظار تراجع الطلب على المحروقات — وهو ما يُفترض أن يُجبر على الإصلاح. لكن هذه الحجة تتهاوى اليوم في ضوء معطيات متغيرة: حرب أوكرانيا أعادت رسم الخريطة الطاقوية الأوروبية وعززت الطلب على الغاز. وأمريكا ضاعفت إنتاجها النفطي وتخلّت عن التزاماتها المناخية. والصين والهند لم تتراجعا لحظة عن مسار الاستهلاك المتصاعد للطاقة.

إذن الجزائر أمامها وقت أطول مما كان يُقال. لكن هذا الوقت الإضافي هو بالضبط ما يجب ألا يُستخدم ذريعةً للتأجيل. لأن التهديد الأكثر إلحاحاً لا يأتي من تراجع الطلب العالمي على الطاقة — بل من تضاعف الاستهلاك الداخلي الجزائري للطاقة، الذي يأكل من حصة التصدير سنة بعد سنة، حتى لو بقيت أسعار النفط مرتفعة.

خاتمة — المعادلة التي لم يحلّها أحد بعد

يطرح هذا كله سؤالاً لا إجابة سهلة عليه: هل تستطيع دولة أن تنتقل من عقلية الصمود إلى عقلية البناء دون أن يزول الخطر الخارجي الذي فرض عليها الصمود أصلاً؟

تركيا استطاعت لأن الغرب كان حليفاً لا عدواً. كوريا واليابان كذلك. أما الدول التي حاولت الانتقال في ظل بيئة معادية أو مضطربة، فدفعت أثماناً باهظة.

الجزائر تحاول أن تحلّ هذه المعادلة في ظروف لا سابق لها — بدون راعٍ استراتيجي كبير، وبدون ضغط أزمة حادة يُجبر على الإصلاح، وبمحيط إقليمي مشتعل، وبذاكرة تاريخية تجعل كل انفتاح مشروطاً بحسابات الأمن والسيادة.

وإذا نجحت في حلّها — وهو احتمال قائم لا ينبغي استبعاده — فسيكون ذلك نموذجاً أصيلاً لم يسبق له مثيل: نموذج بُني بدون هدية الحرب الباردة، وبدون مظلة القوى الكبرى، وفي مواجهة كل الرياح. نموذج يستحق أن يُدرَّس في الجامعات لا أن يُقارَن بكوريا أو تركيا، لأنه سيكون شيئاً مختلفاً تماماً.

مصطفى محــاوي
بواسطة : مصطفى محــاوي
مؤسسة محاوي للفكر والأدب
تعليقات